ينعت الإسلام اليوم بالتشدد في كثير من المنابر الإعلامية خصوصا منها الغربية، وذلك راجع إلى طغيان النموذج السلفي الوهابي في الخطاب الديني الإعلامي العربي وانحسار الخطاب العلمي، وهو الخطاب الذي يجد قنوات عديدة ويسيرة يبلغ من خلالها المتلقي الغربي، ففي أوروبا اليوم مراكز ومؤسسات إسلامية تعد بالمئات تحمل مضمونا سلفيا وهابيا يصادم القيم الحداثية التي بنيت عليها هذه المجتمعات، وهذا ما يفسر كل هذا الخوف من الإسلام، والذي يبرز في صراعات حول قضايا هوياتية  بالأساس كمسألة الحجاب في فرنسا ومسألة تطبيق الشريعة، هذا النموذج الديني السائد يسهل على المتابع ملامسة الأسباب القائمة وراء انتشاره لعل أبرزها للعيان ارتباطه بالدعم الخليجي وخدمة الأجندة السياسية لدول النفط العربي، وهو خطاب ديني أنتج ضمن سياق ثقافي عربي يتسم بالندرة والبدوية والصراع، وكان ذلك على حساب هوية الإسلام الحقيقية التي تنطق بها النصوص المؤسسة وهي القرآن والسنة.

زاد من كل ذلك الوضع السياسي الراهن الذي يسم جغرافية الإسلام، وهو وضع آسن سهل النمو والانتشار على الخلايا السرطانية التي تمثلها التنظيمات المتطرفة والمتشددة التي تستأثر اليوم بالمساحة الأكبر من هذه الجغرافية وتتوسع خيوطها بفتاوى التكفير والتشدد والتطرف البعيدة كل البعد عن وسطية الإسلام.

يفرض علينا هذا الوضع المأزوم وضع خطة فكرية علمية تحرر نصوص الدين من السياج الأرثوذكسي وتحرير الإسلام من هؤلاء، ويبدأ ذلك بإعادة قراءة نصوص القرآن وفق ضوابط، وشروط علمية صارمة تقف دون التوظيف الإيديولوجي لها وتفتح في الآن نفسه الأفاق الإنسانية لتتحرر من جديد.

نقطة البداية إذن هي الرجوع للتأصيل للمفاهيم الأساسية والناظمة للخطاب الديني والتي تشكل كما أسلفنا هوية الدين ومن أجل تلك المفاهيم مفهوم الوسطية، فماهي دلالته كما أسس لها القرآن؟ كيف يمكن استثماره اليوم لإنتاج خطاب ديني منفتح؟

 بالرجوع الى القرآن الكريم نجد آيات كثيرة تصف الإسلام بالوسطية والأمة الإسلامية بالأمة الوسط، وهو صف يأتي ذكره بشكر مباشر، كما يأتي في كثير منها ذكر متعلقات هذه الوسطية، وأبرز هذه المتعلقات رفع الحرج والتيسير على الناس في التكليف بما لا يدع مجالا للشك أو التأويل نذكر منها ما يلي:

  • - ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  (البقرة: 143).
  • - ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (لحج: 78)
  • - ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ  (لمائدة: 6)
  • - ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ  (لبقرة: 185)
  • - ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا  (البقرة: 286])
  • - ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا  (النساء: 28)
  • - ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ  (لأعراف: 15)
  • - ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا  (لطلاق: 7).


ذكر البغوي في تفسيره المسمى " معالم التنزيل" في تفسيره للآية 143 من سورة البقرة أن المقصود هنا بالأمة الوسط "  أهل دين وسط ، بين الغلو والتقصير ، لأنهما مذمومان في الدين"، وفي قول البغوي هذا إضاءة جامعة لمعنى الوسطية حين ذكر ضدها وهو الغلو والتقصير، ومردهما الى التهاون فالغلو تهاون في فهم الدين وتمثل قيمة الاعتدال فيه، والتقصير مرده الى التهاون في التزام المكلف بحدود الدين والشريعة، والأصل فيهما معا تولي أناس مقام الفتية وبيان أحكام  الشريعة  بغير علم وذلك هو الهوى وهو آفة ابتليت بها الأمة الإسلامية اليوم أيما ابتلاء.

يقول ابن القيم الجوزية:" والدين كله بين هذين الطرفين - أي: الإفراط والتفريط - بل الإسلام قَصْدٌ بين المِلل، والسُّنة قَصْد بين البِدَع، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وكذلك الاجتهاد هو بَذْل الجُهد في موافقة الأمر، والغُلو مُجاوزته وتعدِّيه، وما أمَر الله بأمر، إلاَّ وللشيطان فيه نزغتان؛ فإمَّا إلى غُلو ومُجاوزة، وإمَّا إلى تفريط وتقصير، وهما آفتان لا يَخلُص منها الاعتقاد والقصد والعمل، إلاَّ مَن مشى خلف رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتَرَك أقوال الناس وآراءَهم لِمَا جاء به، لا مَن تَرَك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم.

 وهذان المرضان الخطران قد اسْتَوَلَيا على أكثر بني آدمَ؛ ولهذا حذَّر السلف منهما أشدَّ التحذير، وخوَّفوا مَن بُلِي بأحدهما بالهلاك، وقد يَجتمعان في الشخص الواحد، كما هو حال أكثر الخَلق، يكون مُقَصِّرًا مُفَرِّطًا في بعض دينه، غاليًا مُتجاوزًا في بعضه، والمهديُّ مَن هداه الله".

هذا النص الذي اوردناه عن ابن القيم يكاد يصف حال أولئك الشباب الذين وقعوا في فخ التطرف والتشدد وقد كانوا بالأمس ممن لا يعرف عنهم التدين أو الالتزام الديني فتحولوا من آفة التفريط في الدين إلى الإفراط في التدين، وفي كلتا الحالتين جهل بمقاصد الشريعة التي من مرتكزاتها كما ذكر الشاطبي العدل والتوسط في الاخذ بتكاليف الشريعة، فقد جاء في كتاب الموافقات قوله:" الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل؛ الأخذ من الطرفين بقسطٍ لا ميلَ فيه، الداخل تحت كسْبِ العبد من غير مَشقَّة عليه ولا انحلال...، فإذا نظَرَت في كليَّة شرعيَّة، فتأمَّلها تَجِدها حاملة على التوسُّط، فإذا رأيت ميلاً إلى جهة طرَفٍ من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع أو متوقَّع من الطرَف الآخر، فطرف التشديد - وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزَّجر - يؤتى به في مقابلة مَن غلَب عليه الانحلال في الدين، وطرف التخفيف - وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص - يؤتى به في مقابلة مَن غلَب عليه الحَرَجُ في التشديد، فإذا لَم يكن هذا ولا ذاك، رأيت التوسُّط لائحًا، ومَسلك الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يُرجع إليه، والمَعقِلُ الذي يُلجَأ إليه، والتوسُّط يُعْرَف بالشرع، وقد يُعرَف بالعوائد وما يَشهد به معظم العُقلاء، كما في الإسراف والإقتار في النفقات".

وختام القول أننا اليوم في أمس الحاجة إلى تثوير قيمة التوسط والاعتدال في خطابنا الديني و سلوكنا العملي، وليس ذلك من باب التبرير أو المنافحة عن الدين، بل هو تأكيد على جاء به القرآن وبينته السنة النبوية، فمن ادعى غير دلك قولا او فعلا فقد خرج عن منهج الإسلام وزاغ عن الهدي النبوي، ولو أقام الليل وصام الدهر واعتزل النساء، ونختم ذلك بالحديث المأثور عن الرسول صلى الله عليه و سلم "  جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا - أي رأوها قليلةً بالنسبة لما ينبغي لهم - فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".

شارك على :