من يعرف " آن  ديفورمانتيل-Anne Dufourmantelle " ؟

    لاشك أن الكثيرين في المجتمعات الإسلامية ليست لهم أدنى فكرة عن هذه السيدة، و ذلك لاعتبارين اثنين على الأقل، أولهما أن أغلب أفراد هذه المجتمعات لا يقرؤون؛ و ثانيهما أن من يقرأ منهم لا يهتم كثيرا بالتفكير الفلسفي كتقليد متوارث منذ بدايات عصور الانحطاط حيث أصبحت الفلسفة رديف الزندقة و الهرطقة، رغم أن الحاجة الآن أصبحت ملحة لهذا النوع من التفكير في هذا الزمن الإسلامي الكالح.

       إنها ، لمن لا يعرفها، مفكرة و فيلسوفة ،كاتبة و عالمة نفس فرنسية؛ ولدت بباريس في 20 مارس 1964، درست و درَست بأرقى المعاهد و الجامعات، كتبت عددا من الكتب الرائعة في الفلسفة، علم النفس، و الرواية؛ كما شاركت كتبا مع فلاسفة كبار أمثال جاك ديريدا...

      يرتكز مشروعها الفكري و الفلسفي على ملامسة قضايا الإنسان في عالمنا المعاصر، و بخاصة حرية هذا الإنسان في ظل كل عوامل التشريط و الإخضاع و السيطرة المحيطة به، وكيف السبيل إلى فتح الحياة على الحرية رغم كل تلك العوامل. بكلمة واحدة إنها تهتم بتلك الخيوط التي تربط الحياة بالحرية. و نتيجة لهذا الالتزام الوجودي و الفكري سنجدها في الميدان والإعلام مدافعة شرسة عن المهمشين و المقصيين، عن المهاجرين و اللاجئين باختلاف ألوانهم و أصولهم العرقية و الثقافية و الدينية،و عن حقهم في الحرية و الكرامة ،و داعية إلى فتح أبواب أوربا و الغرب عموما في وجه  "المعذبين في الأرض".

   كانت تركز في كتاباتها كما في أقوالها، على ضرورة ربط القول بالفعل في اللحظات المصيرية من حياة الفرد أو المجتمع، و ذلك بنكران الذات و تجاوزها. فنجدها تقول في إحدى حواراتها مع جريدة " ليبراسيون " الفرنسية –Libération  - بتاريخ 14 شتنبر-أيلول 2015: " عندما نكون في مواجهة خطر حقيقي(...) تتولد دافعية قوية للفعل، التفاني و تجاوز الذات " .

   و في يوم 21 يوليوز 2017 ، و هي على شاطئ بلدة صغيرة جنوب فرنسا، و كان البحر في حالة هيجان شديدة، شاهدت طفلين و هما على وشك الغرق، فسارعت إلى نجدتهما بالسباحة وسط أمواج عاتية ، حيث استطاعت أن تخرجهما سالمين قبل أن يتوقف قلبها عن النبض للأبد نتيجة للجهد و الإجهاد، ليفقد الفكر و القلم إحدى المفكرات النزيهات و الملتزمات في عالم قلَ فيه المثيل.

    و بعد أيام معدودات، و على بعد بضع مئات من الكيلومترات فقط عن موقع " تضحية " آن ديفورمانتيل ؛ قام "يونس أبو يعقوب "في عشية صيفية جميلة بسياقة سيارة نقل البضائع إلى شارع تجاري و سياحي شهير بمدينة برشلونة الإسبانية، و قام "بالتضحية" و قتل 15 شخصا و جرح أكثر من مئة دهسا و سحلا، على مسافة لا تقل عن نصف كيلومتر. بمعنى أنه استمتع بالقتل و مشاهدة الدماء و الأشلاء تتطاير و بصرخات الألم والرعب على طول تلك المسافة. و هي دماء و أشلاء بشر من جميع الأجناس و الأعمار و الأديان...كانوا في لحظة استمتاع و نزهة مع أسرهم وأطفالهم و أحبائهم...كانوا في لحظة حياة لا أقل و لا أكثر.

       كان قدرهم أن يلتقوا مع "يونس أبو يعقوب"  المولود في قرية بئيسة نائية بجبال الأطلس المتوسط بالمغرب في فاتح يناير 1995( للتذكير فإن المزدادين المسجلين في هذا اليوم الأول من السنة بالمغرب يعني أن أسرهم لا تحوز على الدفتر العائلي، و غالبا لشدة الفقر والتهميش)؛ غير أن يونس لن يعيش طويلا في ظل قساوة و شظف العيش، حيث سيهاجر مع أسرته إلى إسبانيا. ذلك البلد سيعطيه كل شيء ، وهو الآتي من "اللاشيء"، سيعطيه جنسية و تعليما، صحة وشغلا، وسكنا في بلدة جميلة على سفوح جبال "البيرينيه" شمال برشلونة. بمعنى أن ذاك المجتمع  استقبله و احتضنه و أعطاه مفاتيح الحياة. غير أن السيد يونس سيكافئه في المقابل بحمل الموت و الدم إليه، فهو لا يرى فيه إلا مجموعة من  " الكفار" و "الخطاة" يستحقون القتل و الإبادة .

      قد يقول قائل أن يونس ضحية، وأنه تم غسل دماغه من طرف آخرين، وهذا صحيح لأنه لم يتحرك من تلقاء نفسه و كذئب منفرد، بل في إطار خلية "داعشية" الولاء...غير أن هناك شيء لا ينبغي القفز عليه، و هو أنه ولا شك قرأ الآية القرآنية " من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" (الآية 32- سورة المائدة) و مع ذلك لم يدرك ، و لم يفهم معناها العميق في تقديس الحياة الإنسانية بشكل عام ، و ليس حياة صنف من البشر، فالحديث في الآية المذكورة هو عن الناس أجمعين وليس عن طائفة منهم؛ بل إنه لم يفكر حتى في حياة المسلمين الذين قد يسقطون قتلى أو جرحى تحت عجلات سيارته. في نهاية المطاف غلب مصلحته الأنانية الضيقة أي ضمان خلاصه و فوزه في الآخرة بالجنة الموعودة و ما تيسر من حور عين، و لو على حساب عشرات الجثث و العظام المسحوقة و الدماء المسفوكة.

      بينما خاطرت " آن " بحياتها لإنقاذ حياة الآخرين، غيبت غريزة البقاء لديها، و علُقت مصلحتها الذاتية وتركت عنصر اللامبالاة  لئلا يفقد آخرون الحياة. لقد رأت في بقاء حياة الآخرين معنى أكبر من حياتها هي.

      في حالة "آن " كانت الغاية أخلاقية، والوسيلة أخلاقية، و المعنى أخلاقي؛ أي أننا أمام فعل إنساني يقترب من الكمال الأخلاقي. بينما في حالة "يونس" لا يحضر أي عنصر من تلك العناصر، و حتى لو برر ما فعله بكل ما أوتي من النصوص الدينية، فإن فعله يبقى على طرف نقيض من الفطرة الإنسانية السليمة التي تقدس و تثمن الحياة و تحافظ عليها. وهذا ما تجسد أمامنا واقعاَ مع "آن  ديفورمانتيل" و خيارها البطولي في خوضها لجج البحر للمرة الأخيرة في حياتها لإنقاذ طفلين رأت فيهما كل الحياة...كل الأمل.


شارك على :