كيف نفسر هذا الانفصام الذي تعيشه مجتمعاتنا بين القيم الدينية التي تدعوا الى التسامح والتعايش والعمران، وبين واقع الممارسة التي تتزاحم فيه صور القتل والتعصب والصراع، قد يكون هذا السؤال مكررا في الساحة الفكرية لكن المقاربات المقدمة للإجابة عنه لاتزال قاصرة عن تقديم الحل، بل إن كثيرا منها يزيد في تعميق هذه الفجوة السحيقة، فهي لاتزال سجينة الرؤية الإيديولوجية التي تتسم بالتجزيئية، فالبعض يرى أنا المشكلة في الفكرة الدينية نفسها والآخر يرى أننا أمام أزمة سياسية وطرف ثالث يرى أن مشكلتنا اقتصادية...الخ.

 والحقيقة الواضحة في هذا المقام هي أن السياسة والاقتصاد وغيرهما من المجالات الأزمة فيها هي تمظهرات لما هو أعمق، هي أزمة تلامس البنى الثقافية والحضارية يقول مأمون فندي في توصيف هذه الحالة "إن السياق الحاكم لما يحدث وقبوله هو ثقافي في المقام الأول، فالثقافة الحية هي القادرة على الرفض بصرامة لما هو خارج عن منظومة قيمها. أما إذا ما تقبلت ثقافة ما ذلك الذي ترفضه قيمها فتأكد أنها ثقافة مأزومة أو في قلب الأزمة.

ما نشهده اليوم هو حالة مثاقفة بين مساحات التطرف، ويخرج جوهر ثقافتنا العربية والإسلامية خارج هذا الفضاء. إن لم نكن قادرين على استعادة هذا الفضاء من المتطرفين فسنسبح جميعا في بحر التطرف، أو بركة التطرف الآسنة" هذا التركيب الجينيالوجي للتخلف الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية دفع المفكر الجزائري مالك ابن نبيّ لتجاوز المقاربات التجزيئية في معالجة قضايا الفكر الإسلامي فقد انطلق الرجل في أطروحته لمسيرة النهضة الإسلامية يشق طريقا جديدا وحديثا يتقصى المشكلات في جذورها وليس في مظاهرها ونتائجها  ويتساءل مالك: ما هذه المشكلات؟ ويجيب بأنها تبدو الجهل هنا والفقر هناك، وفي مجال آخر النقص في الإمكانيات والثروات الطبيعية. وفي حصره لهذه المشكلات وسواها مما ينخر في مجتمعاتنا الإسلامية، وجد أنها تصب كلها في إطار واحد هو أنها مشكلة "حضارة" نحن خارجها ومشكلة "ثقافة" لم يتكامل إطارها في حياتنا اليومية ونحن لذلك لا نفتقد الوسائل ولكن كيفية استخدام هذه الوسائل والاستفادة من الإمكانيات.

ومادامت المشكلة في هذا المستوى الحضاري فلابد للفكر الإصلاحي أن يكون في نفس المستوى من العمق، وليس من بديل لانبعاث الثقافة الإسلامية من جديد من الانخراط في هذا التحدي الحضاري والإنساني، وبالتالي البحث عن حلول لمشكلات الحضارة، فكيف السبيل إلى ذلك؟ 

إن الحضارة من وجهة نظر وظيفية: - كما يراها مالك ابن نبي- هي مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدِّم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه. فالمدرسة، والمعمل، والمستشفى، ونظام شبكة المواصلات، والأمن في جميع صوره عبر سائر تراب القطر، واحترام شخصية الفرد، تمثل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة التي يريد ويقدر المجتمع المتحضِّر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه. 

إن كل تفكير في مشكلة الإنسان هو في النهاية تفكير في مشكلة الحضارة، ومشكلة الإنسان الأفروأسيوي هي في جوهرها مشكلة حضارة، يعني أن يحقق هذا الأفرسيوي من طنجة إلى جاكرتا وضعا عاما متحررا من العوامل السلبية التي فرضها الاستعمار والقابلية للاستعمار على حياته في هذه المنطقة.

و التي تراكمت عبر قرون من الجمود الفكري منذ ما بعد الدولة الموحدية وبروز نمط من السلطة السياسية المستندة في بناء الشرعية على الخطاب الديني ذو السمة الفقهية الصرفة والتي صادرت الإبداع الفكري والفلسفي والتجديد الديني الذي كان السمة الأساسية للحضارة الإسلامية كما يشهد على ذلك تاريخ الحضارة العربية ومعالمها التي لاتزال راسخة في كثير من بقاع العالم.

وتأسيسا على ذلك فإن مشروع الإستعادة الحضارية لا يمكن أن يتحقق إلا إذا خصص المكانة المركزية للإنسان، إذ لا يتأسس صرح الحضارة بدون بناء الإنسان، وعند تحليله لعناصر الحضارة يرى مالك أن "كل ناتج حضاري تنطبق عليه الصيغة التحليلية الآتية: ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت. 

هذه الصيغة صادقة بالنسبة لأي ناتج حضاري، وإذا ما درسنا هذه المنتجات حسب طريقة الجمع المستخدمة في الحساب، فستنتهي حتما إلى ثلاثة أعمدة ذات علاقة وظيفية: حضارة = إنسان + تراب + وقت.

وتكمن أهمية الإنسان كعنصر مركزي في المعادلة السالفة في كون العناصر الحضارية الأخرى صامتة لا تنطق إلا بلسان الإنسان وهو من يعطيها دلالة وقيمة، وكل بناء سليم للإنسان تربويا وثقافيا يعني بالضرورة إكساب الزمن والتراب الشرطية والقيمة الحضارية ويجب أن نلاحظ أن الحضارة الإسلامية انتهت منذ الحين الذي فقدت في أساسها قيمة الإنسان، وليس من التطرف في شيء القول بصفة عامة أن الحضارة تنتهي عندما تفقد في شعورها معنى الإنسان.

من أجل ذلك يقدم ابن نبي الإنسان باعتباره أساس الحضارة وأحد أبرز معالمها، فهو الذي ولدها بفكره وصنعها بيده، لذلك فالاهتمام بمشكلة الإنسان ومحاولة إيجاد الحلول لها يستدعي توجيه العناصر الثلاثة: الثقافة، والعمل، ورأس المال، ولما كانت الثقافة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحضارة في رأي الأستاذ مالك بن نبي فإن الاهتمام بها في فكره كان حاضرا بقوة.

إن الإنسان باعتباره العنصر الفاعل الذي تبدأ منه عملية التغيير لا يتوقف دوره في المجتمع على حفظ النوع، بل هو خليفة الله في أرضه، وهذه الوظيفة الاستخلافية توجب إجراء عملية تغيير نفسي واجتماعي يخضع لها الإنسان من خلال الثقافة المستمدة من العقيدة الدينية ليكون الأقدر على القيام بدوره الفاعل في بناء مجتمعه

فالثقافة كما يقول بن نبي بما تتضمنه من فكرة دينية نظمت الملحمة الإنسانية في جميع أدوارها ولا يسوغ أن تعد علما يتعلمه الإنسان، بل هي محيط يحيط به، وإطار يتحرك داخله، يغذي الحضارة في أحشائه؛ فهي الوسط الذي تتكون فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وتتشكل فيه كل جزئية من جزئياته، تبعا للغاية العليا التي رسمها المجتمع لنفسه، بما في ذلك الحداد والفنان والراعي والعالم والإمام وهكذا يتركب التاريخ.

وتبعا لذلك فإن أي عملية إصلاحية لا تلامس البنى الثقافية للمجتمع المسلم فهي لا محالة تبقى قاصرة دون تحقيق التقدم المرغوب، بل قد تكون عاملا لزيادة الهوة بين حالة التحضر التي نأمل بلوغها وحالة البداوة التي نعيشها وتترجمها ردود الفعل الذي تشهدها الساحة السياسية بالخصوص في منطقتنا العربية والإسلامية.

شارك على :