هل التشريع الإسلامي ثابت أم أنه متغير؟ سؤال يحيلنا على الشروط التاريخية لإنتاج المعرفة الفقهية، وهو سؤال يكتسب راهنيته اليوم خصوصا مع تنامي التيارات الإسلامية التي تنظر إلى التجربة التاريخية لصدر الإسلام باعتبارها النموذج الأمثل الذي يجب الاستمداد منه وما نقصده بالاستمداد هو إسقاط هذه التجربة على الواقع المعاصر من غير استحضار للفوارق المعرفية والسياسية والاقتصادية والتطور التكنلوجي الذي راكمته البشرية طيلة قرون.

وأمام هذه المسلكية النصية التي لا تستحضر التجربة التاريخية بنفسها التراكمي، يصبح المسلم امام وضع مأزوم تصنعه حالة الانفصام بين البنية التشريعية الفقهية والواقع المركب الذي يعيش تحث سقف الحداثة ومنجزاتها، فهل هذا القصور راجع إلى بنية التشريع الإسلامي أم انه راجع إلى الخطاب السلفي المستبد بالعقل العربي؟

إن هذا التوجه السلفي حسب برهان غليون كان يصدر عن مبدأين هما: 

الأول: نقاوة الأصول بما يتيح إحداث اختزالات زمنية تمكن من الرجوع إلى الأصل الممثل للنقاء.

الثاني: تصور للمجتمع والإنسان قائمين على علائق دينية أساسا. إنها رؤية ثيوقراطية فاقدة لكل حس تاريخي تختزل مجالات المجتمع وحركيته في البعد الأخلاقي الديني فحسب.    

لعل الإجابة على هذه الإشكالية بنفس علمي معرفي خارج دائرة الصراع السياسي الذي أنتجه تدافع المصالح السياسية للتيارات والطوائف الإسلامية، هو السبيل الوحيد الكفيل بإعادة الفاعلية والاعتبار للعقل الإسلامي، وبالتالي تفعيل مفاصل الإبداع والتحديث للشريعة الإسلامية والتي غيبت للأسف مع دعوى إغلاق باب الاجتهاد لقرون من الزمن.

والاجتهاد ليس ترفا فكريا تختص به النخبة من المتخصصين في الفكر الديني، بل هو حاجة حضارية أصبحت أكثر إلحاحا في الزمن الحاضر تنخرط فيه فئات المجتمع ومؤسساته كل من جهته  وبحسب إمكاناته ومجال تخصصه، فالتحديات اليوم هي ذات طابع حضاري تمس مفاصل المجتمع والدولة ومؤسساتها، والاجتهاد هو الوجه الآخر للتجديد، والإسلام بما هو دين عالمي جعل الله تعالى من خصائه التجديد والانفتاح، والحديث المشهور عن الرسول عليه الصلاة والسلام " يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" من الدلالات والعبر الشيء الكثير، وهو دليل على البنية المتجددة للإسلام ومسايرة الشريعة لمنجزات العصر ومتغيرات الواقع، حتى صار العرف الذي هو التعبير الأمثل للواقع أصلا من أصول التشريع، وللمجتهد كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم الأجر في الاجتهاد حتى ولو أخطأ في حكمه.  

إن من خصائص التشريع الاسلامي الانفتاح على الانسان وتطور مراحله الحياتية، ذلك أن الاحكام الشرعية ترافق هذا التطور من حال إلى أخرى وفق كل مرحلة عقلية يمر بها، وبالتالي لا تشكل الشريعة نوعا من الاجحاف بحق الانسان، إذ كما يقول الله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " (البقرة/286). فالنظام التشريعي نظام تكاملي، يضع الانسان في موقعه الحقيقي في حركة التاريخ. 

إن هذه القيود التي كبلت الفكر الإسلامي وجعلت قدرته في إقتراح القوانين والتشريعات محدودة في مواكبة  قضايا الواقع المعاصر، لا يمكن أن تنكسر كما يقول محمد إقبال إلا بالاجتهاد المطلق، وبواعث هذا الاجتهاد هي: 

  1. 1- أن العالم الإسلامي أصبح يتأثر بما يواجهه من قوى جديدة أطلقها من عقالها تطور الفكر الإنساني تطورا عظيما في جميع مناحيه. 
  2. 2- أن أصحاب المذاهب الفقهية لم يدعوا أن تفسيرهم للأمور واستنباطهم للأحكام هو آخر كلمة تقال فيها، وأنهم لم يزعموا هذا أبدا. 
  3. 3- أن ما ينادي به الجيل الحاضر من أحرار الفكر في الإسلام من تفسير أصول المبادئ التشريعية تفسيرا جديدا على ضوء تجاربهم. وعلى هدي ما تقلب حياة العصر من أحوال متغيرة هو رأي له ما يسوغه كل التسويغ.
  4. 4- حكم القرآن على الوجود بأنه خلق يزداد ويترقى بالتدريج، يقتضي أن يكون لكل جيل الحق في أن يهتدي بما ورثه من آثار أسلافه، من دون أن يعوقه ذلك التراث في تفكيره وحل مشكلاته الخاصة" .

فالتجديد إذن بهذا المعنى هو " إنهاء لمرحلة "لا تاريخية الفكر العربي" ومباشرة العرب والمسلمين قضاياهم ومعتقداتهم وأفكارهم ضمن قواعد الحركة العقلية الإنسانية أي نهاية التقسيم الديني الأخلاقي للعالم.

وتجدر الإشارة إلى أن حالة الانسداد هي وليدة مرحلة الركود التي عرفتها الحضارة الإسلامية مع بداية القرن السابع الهجري، واما المرحلة السابقة والتي عرفت بالعطاء العلمي والادبي والفكري فقد تميز بها التشريع بكونه تتبع شكلا بنيويا، يقوم على تفكيك الحدث ودراسته وتحليله لإعطاء حكم موضوعي، خارج الاستلاب التاريخي لإنسانية الانسان، فالحكم التشريعي يتبنى قيما انسانية بل انه ينظر الى الموقف العام لعلاقة الانسان بالحياة عبر نظرة شاملة محيطة بكل الجوانب، فالحكم التشريعي ليس شكلا جامدا لا يخضع لمنطق التكيف الاني بل انه يتبع حالات الانسان وقدراته على التكيف والتصرف، ففي احكام السفر هناك (تقصير الصلاة والاعفاء من الصوم)، والحامل في احكام الطلاق لا يجوز تطليقها حتى تضع مولودها، والمجنون لا يقع عليه الحكم، والصغير غير خاضع للتكليف حتى يبلغ، والبالغ المكلف يسقط عنه تكليف الحج اذا لم يكن مستطاعا، وكذلك الصيام يعوض بالصدقة، وغيرها مما لا يتسع له مجال بحثنا الضيق، كما ان الاحكام تتفاعل مع حياة الانسان مما لا يوقع عليه ارباكا، أو يسبب له حرجا، بل ان الانسان نفسه ككيان غير مجبر على الدخول في الدين: " لا اكراه في الدين ". (البقرة/256). 

ولكي يكون الفعل الاجتهادي منفتحا ومحققا لشرط العصرنة ومنضبطا في الوقت نفسه لقيم الإسلام وهويته السمحة كما رسختها نصوص الإسلام المؤسسة وهي القرآن والسنة الصحيحة 

لابد له من منهج علمي يستند إليه، سمته الأساس الاستمداد من المعارف الإنسانية المعاصرة والثورة العلمية الحديثة، ومن تلك الضوابط ما يلي:

أولا: الاعتبار بخاتميه الرسالة الإسلامية وإنسانيتها وكونيتها، وتفاعلها مع مقتضيات الزمان والمكان والأنساق الثقافية المختلفة وهو ما يعني التميز بين الدين الإسلامي من جهة وبين الفكر الإسلامي من جهة ثانية فالأول متعال مصدره الوحي الرباني والثاني بشري قابل للتصويب والتجاوز

ثانيا: الأخذ بعين الاعتبار مبدأ التصديق والهيمنة في التعامل مع التراث الإنساني القديم والحديث، فلا نحن نرفضه رفضا مطلقا ولا نقبله قبولا أعمى وإنما نستفيد منه ونفيده تؤطرنا في ذلك الوسطية الممنهجة التي أسس لها القرآن الكريم والسنة الشريفة الصحيحة.

ثالثا: تجاوز القراءة الأحادية البعد والانطلاق من منهج معرفي أساسه الجمع بين القراءتين، فلا هو يستلب الإنسان بمنطق لاهوتي متعال كما فعلت الكنيسة ولا هو يلغي الغيب والاثنان معا لا يلغيان الواقع، فالكون والوحي مصدران للمعرفة يقرأ أحدهما على ضوء الآخر.

رابعا: استحضار المقاصد العليا للرسالة الإسلامية وتنزيلها على النصوص المؤطرة للحياة الاجتماعية وخصوصا منه المرتبطة بالفقه والقانون مع رعاية الواقع المعاصر ومتغيراته.

هذه إذن بعض الخطوات المنهجية العامة التي يجب أن يسترشد بها الباحث المعاصر من أجل الخروج من الأزمة التي يعاني منها الفكر الإسلامي الراهن وهي نقاط تحتاج إلى مزيد من التفصيل والتدقيق.

  وخلاصة القول إن الفكر الإسلامي يحتوي في طياته منهجا مشرقا للحياة الإنسانية علينا نحن كأمة حاملة له أن نفض الغبار عنه بالبحث العلمي والنقد المعرفي وتجاوز منطق التقديس للذات وللأخر فهذا الأخر بحاجة إلينا كما أننا نحن أيضا في حاجة إليه حتى تلتقي المادية والمعنوية في تكامل.

شارك على :