على الرغم من أن مصطلح الخلافة عند أهل السنة والجماعة يطابق الإمامة غير أن مضمونها يختلف عن المعنى الذي يقدمه الشيعة، وما يميز مفهوم الخلافة عند أهل السنة هو طابع المرونة في النظرية بحيث جعلها علماء السنة والجماعة من فروع الدين والقول بالوجوب فقهي وليس أصولي، والاختلاف حولها أمر وارد ولا يوجب التكفير وبالتالي فإن تنصيب الخليفة وعزله يبقى مسألة اجتهادية، وأما الشروط التي وضعوها في الخليفة وإن كان بعضها يستند إلى بعض الروايات فهي لا تخرج عن هذا الإطار الاجتهادي

 وفي مقابل هذا التوجه السني في النظرية السياسية، ذهب الشيعة الى مذهب آخر حيث ارتفعت عندهم مسألة الإمامة الى مرتبة الأصول، فهي عندهم أصل من أصول الدين لا تنفصل عن التوحيد والمعاذ والنبوة، وبالتالي من لم يقر بالإمامة فقد خرج عن أصول الإسلام، فهي عندهم استمرار للنبوة وهي واجبة بالنص.

نجد هذا القول في الإمامة مبثوث في كتب أصول الدين عند الشيعة، فقد جاء من ضمن ما نشره مركز الإشعاع الإسلامي للدراسات والبحوث الذي يشرف عليه الشيخ صالح الكرباسي ما يلي:" لما كانت الإمامة ضرورة لتنظيم حياة المسلمين وفق أحكام الله، حيث بها يستقيم أمر المسلمين، دنيا وآخرة، عدها الشيعة أصلا من أصول الدين. وعليه فإنها تعتبر من الأمور التوقيفية التي يحددها البارئ جل وعلا تماما مثلما النبوة". ومعنى التوقيف هنا التعين فالشيعة يؤمنون بالإمامة خاصة بالمعصومين ولا يجوز فيها الاتفاق ما دام التعين من عند الله والمعني بها بعد الرسول وعلي بن أبي طالب والمعصومين من ذرية علي من فاطمة الزهراء وعددهم عند الشيعة الإثناعشرية هم اثنا عشر معصوما.

وفي ختام هذه المقالة الموجزة نعود لطرح السؤال هذا النسق السياسي لنظرية الحكم التي شهدها الإسلام وأفرز لنا الصراع بين مكونات الامة الإسلامية نطق به النص هو ناتج بفعل عوامل تارخية؟ بمعنى آخر هل النص هو الذي شكل هذه التصورات الكلامية أم أن المذهب الكلامي تشكل بدءا ثم أسقط بعد ذلك على النص ليبحث له عن الشواهد وبالتالي تعرض النص للتأويل السياسي من أجل تزكية المذهب وترسيخه؟

وللإجابة على هذه التساؤلات لابد من خطوة منهجية ضابطة وهي ضرورة العودة إلى النص الخالص، أي إلى القرآن في لحظة تنزله وقبل أن تتشكل الفرق لنستنطقه من داخله متحررين من القبليات السياسية والمذهبية.

ولعل النتيجة التي سيخلص لها الباحث هنا هي كالتالي: إن نمط الحكم والسلطة في الإسلام تدخل على الأقل من الناحية الشكلية في دائرة المسكوت عنه أي المباح وليس في دائرة الإلزام وما يعنيه ذلك هو فتح الباب أمام حرية الاجتماع البشري في تقرير نمط السلطة والمتغير بتغير الظروف نمط العلاقات الاجتماعية، مادام الأصل الموضوع ثابث وهو تحقيق العدل والمساواة وحفظ الحقوق المدنية والسياسية

شارك على :