يصدم المسلم اليوم حين يشاهد صور وأشرطة للجرائم التي ترتكبها التنظيمات الإرهابية في حق الأبرياء من الرجال النساء وحتى الأطفال والشيوخ، بل لم يسلم منها حتى الشجر والحيوان والفنون والآداب والآثار، وتزداد صدمته حدة حين يسمع ويقرأ أن هذه الجرائم ترتكب باسم الجهاد والدفاع عن الدين ورفع كلمة الله في الأرض، وكأن هذه الاعمال الوحشية هي من طبيعة الإسلام، وكأن هذا الدين لا رحمة فيه ولا شفقة ولا تعايش، وهو دين يعادي القيم الجمالية والفنية، وليس فيه قيم إنسانية.

والحقيقة غير ذلك تماما وهؤلاء المجرمون أبعد الناس عن الدين وعن قيمه السمحة، ومن أبرز تلك القيم التي يتجاهلها القوم قيمة الرحمة والتي وردت فيها نصوص من القرآن والسنة لا تعد ولا تحصى، كما أن سيرة المصطفى تزخر بمواقف تتمثل هذه القيمة في أسمى تجلياتها.

ففي القرآن الكريم يذكر الله تعالى بهوية الرسالة المحمدية وبالغاية التي بعث من اجلها الرسول الكريم، وذلك في قوله تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(الأنبياء 107) ذكر الطبري عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: "أَنَّ اللَّه أَرْسَلَ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَة لِجَمِيعِ الْعَالَم , مؤمنهم وَكَافِرهمْ"، فالرسالة التي جاء بها الرسول الكريم هي رحمة للخلق أجمعين، وقد يقول قائل إن هذه الرحمة مقتصرة على اتباع الرسالة الإسلامية وهذا قول باطل لا سند له فقد جاء في بيان هذا المعنى الشامل الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قالقيل : يا رسول الله ، ادع على المشركين قال : " إني لم أبعث لعانا ، وإنما بعثت رحمة". 

ولبيان عظمة قيمة الرحمة في القرآن الكريم سمى الله تعالى نفسه بالرحمن وجعل هذا الاسم في البسملة التي بها تفتتح سور القرآن، تذكيرا للمسلمين بوجوب الالتزام بهذا الخلق تجاه المخلوقات مهما سفل ترتيبها في سلم الوجود، يقول عمران نزال:"إن اسم الرحمن يستغرق كُل رحمة تلازم المخلوقات كافة، من حيث الوجود والتقدير والتقويم، والعناية واللطف والإحسان، فما من مخلوق إلا والله تبارك وتعالى تفضل عليه برحمته، عندما أوجده بعد أن لم يكن، وعندما خلقه باتزان وقدر وعدل وتسوية، وهذا المعنى مقصود في قوله تعالى من سورة الأعلى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى(1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(3)، فالخلق والتسوية ثم التقدير والهداية، وتشمل رحمة الله كل مخلوق .".

ومن رحمته تعالى بالناس أن اقر فيهم سنة الاختلاف، وجعلها قانونا يسري على الوجود وما فيه من مخلوقات، قال تعالى في سورة الانعام؛﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾، وأعطى للإنسان حرية الاختيار، ورفع سلطة الحساب لنفسه جل شأنه ومنعها عن غيره، فلا يحق لبشر كيفما كان ان يحاسب الناس على عقائدهم ومللهم، قال تعالى  ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:256)، ومن مقتضيات الرحمة أن جعل غاية المسلم فيمن يخالفه في العقيدة الدعوة المشروطة بالرحمة في القول والفعل ومن مصادق ذلك المجادلة بالتي هي أحسن والتزام الحكمة والموعظة الحسنة، وهي الوصية التي جاءت في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل:125). 

فلو تتبعنا معاني الرحمة في القرآن لاحتجنا لمجلدات لبيانها، منها ما هو واضح جلي لا خفاء فيه ومنها ما هو مضمر يلزم البحث فيه التدقيق والتنقيب، وليس ذلك من باب الترف العلمي والفكري بل هو بيان لأعظم مقاصد الرسالة الإسلامية، ولو لم يكن كذلك لما كتب لهذه العقيدة الانتشار والتوسع في مغارب الأرض ومشارقها، والرسول صلى الله عليه وسلم لولا رحمته ورأفته بالناس لما أقبلوا عليه واتبعوا دينه أفواجا، وفي ذلك يقول تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(آل عمران159)﴾، يقول الدكتور محمد راتب النابلسي في تعليقه على هذه الآية " ولو كان الإنسان فظاً غليظ القلب، وكان متمكناً من علمه، متبحراً في ثقافته، لكنه فظٌ غليظ القلب، فإنّ الناس يجفونه، ويصدُّون عنه.

فما قولك أن النبي عليه الصلاة والسلام، ومَن هو النبي؟ إنّه سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم، المعصوم، الموحى إليه، المؤيد بالمعجزات، كل هذه الميزات لو كان فظًّا غليظ القلب مع كل هذه الميزات لانفض الناس من حوله.

فكيف إذًا بإنسان لا معجزة معه، ولا وحي، ولا هو معصوم، ولا سيد الخلق ولا حبيب الحق، بل هو واحد من عامة المؤمنين.

فإذا كان في دعوته قاسياً فظاً غليظاً هل تقبل دعوته؟ فمعنى الآية دقيق، يعني: أنت أيها النبي، أنت على ما أنت عليه من تفوقٍ، من عصمةٍ، من تأييدٍ بالمعجزات، من إكرامٍ بالوحي، أنت بكل هذه الميزات !!! ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك."

إن لنا في سيرة رسول الإسلام عبرة لمن أراد ان يعتبر وهي المنهاج العملي والتنزيل الفعلي لمضامين الوحي وللقيم الإنسانية ففي زمن فتح مكة بعد ان دخل الرسول مسالما وصار من كان بالأمس عدوا له تحت يده، مع أنه قد لقي منهم أدى شديد في المرحلة المكية من الدعوة، دخل فصلى في الكعبة، ثم خطب أمام قريش وقد اجتمعوا في البيت. وكان ممّا قاله لهم: " يا معْشَرَ قريش، ما ترون أنّي فاعل بكم؟ " قالوا: خيرا. أخٌ كريم وابن أخ كريم. قال صلى الله عليه وسلم: " فإنّي أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: (لا تثريب عليكم اليوم) اذهبوا فأنتم الطلقاء.

والخلاصة أن من يدعي اليوم الإسلام ويدعي الدفاع عن المقدسات الإسلامية، ثم يخرج إلى الناس بقلب غليظ وقسوة وحرب وقتل وسبي وأسر، بلا رحمة ولا إنسانية فهو اكثر الناس بعدا عن الحق وعن السماحة الإسلامية ولو صام الدهر وقام الليل، فالمسلم كما جاء في الحديث المشهور هو "من سلم الناس من يده ولسانه"، وهؤلاء قوم ينفرون الناس عن الإسلام ولا يرغبون فيه وحق فيهم قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً ( الكهف 106)﴾

شارك على :