تشكل تنظيم «داعش» من ضباط و جنود تم تسريحهم بعد دخول أمريكا للعراق سنة 2003 وكانوا يشتغلون من قبل ضمن جيش صدام حسين، ولا أدل على ذلك من الحضور القوي للضابط السابق "حجي بكر" الذي نفذ عمليات عسكرية بعد 2003 و قضى فترة سجنية بسجن أبو غريب [2003-2006]، ليتحول إلى مخطط عسكري ل "داعش" ومهندس لبنيتها التنظيمية بإحداث مكاتب تبشيرية دعوية بأدلب و الرقة بسوريا تمهيدا لاجتياح البلد من طرف داعش سنة 2014. كما اجتاح الموصل بالعراق في نفس السنة ليضع اليد على جزء من آبار النفط بالعراق، مما يكشف عن الغايات المالية لجمع الثروة التي حركت قادة التنظيم الذين جندوا شبابا من بلدان عربية و إسلامية و غربية، متقدما بذلك على تنظيم "القاعدة" في توظيف المجال الإلكتروني الدعائي و في التركيز على الإغراء المالي للمجندين كما تجنيد النساء و إلحاقهن بجيش داعش، ليس كمحاربات أو مخططات، بل كوعاء للمتعة الجنسية لرجال داعش.

إن تنظيم داعش كإفراز سلبي لعصر العولمة المتميز بسرعة تداول الأخبار و الصور،        و سهولة نقل الأموال و الأسلحة، و التأثيرات النافذة لشبكة الأنترنيت، هو أبرز مثال حي للجهادية العالمية التي تضرب أيا كان و أينما كان، و هي جهادية لا تنفصل عن العولمة بمظاهرها و نتائجها الاقتصادية و السياسية و العسكرية و الثقافية  و التقنية.   

داعش تسلل وسط .....

لم يظهر تنظيم داعش المسمى «الدولة الإسلامية بالعراق والشام» بفعل تخطيط داخلي فقط يشمل أهداف هذا التنظيم في الإستيلاء على  جزء من أراضي العراق و سوريا  و الامتداد في ليبيا  و بلدان إفريقية، بل هو ظهر بفعل التناقضات في السياسات الدولية التي تنهجها الدول الكبرى منذ لعشرة الحالية [2010...] في نظرتها للمنطقة العربية خاصة مع الأحدث و الحركات الاحتجاجية التي اتخذت نعت«الربع العربي». إن أهم مظهر لهذه التناقضات في السياسات الدولية هو التناقض بين الولايات المتحدة الأمريكية و روسيا في التعامل مع الأزمات و الحروب الدموية بالعراق، سوريا، ليبيا  واليمن. هذا فضل عن التباعد الذي ميز تعامل أمريكا مع الحروب في هذه البلدان و تعامل بلدان أوربية خاص فرنسا، بريطانيا       و ألمانيا. كما كان الصراع السعودي- الإيراني حول تأكيد نفوذ كل دولة بسوريا، اليمن، لبنان، دور في تسلل مقاتلي داعش و استغلالهم لفراغات في الميدان كما في السياسة الدولية. كما لا يمكن أيضا إغفال دور تركيا المعنية بأزمات الشرق الأوسط بحكم الجوار مع سوريا و العراق و الصراع مع  إيران، و بحكم أيضا وجود شعب كردي موزع بين تركيا، العراق و سوريا كشعب  يطالب بإقامة دولته الكردية المستقلة.

من هنا يتبين أنه لم يكن بإمكان تنظيم داعش أن يظهر و يستمر و يتقوى بتخطيط حصري لقيادته و لمجرد مبايعة قائده «أبو بكر البغدادي»، بل إن التناقضات التي طبعت السياسات الدولية طيلة العشرية الحالية، هي التي فسحت المجال لاستقواء داعش ووضعه اليد على مساحات مهمة بالعراق و سوريا،  خاصة في مناطق و أقاليم يحتضن باطنها آبار البترول. إن هذه التناقضات في السياسات الدولية بين دعم النظام السوري [من طرف روسيا] أو معارضته و دعم الفصائل المتمردة [السعودية، فرنسا،أمريكا]، و بين دعم النظام العراقي ذو الأغلبية الشيعية [من طرف إيران و أمريكا] و بين دعم معارضته السنية بشكل غير واضح، إن كل هذه التناقضات هي البساط المفروش لمقاتلي داعش لدخول مدن و قرى بشاحنات     و دبابات كانت في ملك الجيش العراقي الذي كان بعض قادته  و جنوده قد اشتغلوا سابقا مع نظام صدام حسين و تحولوا من بعد لدعم داعش .

إن كل الخطابات التي تؤكد ظاهريا على محاربة داعش، خاصة الخطابات السياسية لبلدان غربية [أمريكا، فرنسا، بريطانيا] أو عربية [السعودية، سوريا، مصر]، هي في حقيقتها كخطابات لم تعبر عن واقع قائم، بل عن رغبات في تحقيق ربح في السياسة الدولية يخص تقوية النفوذ، و تجارة السلاح، و هذا ما تجلى في عبارة «الفوضى الخلاقة» Chaos constructif منذ العقد الماضي [2001-2009] مرحلة حكم الجمهوريين في عهد الرئيس جورج بوش الابن، و هي العبارة التي قصد بها منظرو و خبراء البيت الأبيض الأمريكي، إدخال الديمقراطية إلى العراق و إلى كل منطقة الشرق الأوسط بل و شمال إفريقيا غربا و حتى أفغانستان شرقا عبر عمليات جراحية عسكرية عنيفة . إن اختلاف المصالح و الغايات بالنسبة للقوى الكبرى و تحديد شكل وجودها العسكري، خاصة بسوريا و العراق هو ما سمح بتمدد داعش، بعد اتباع الرئيس باراك أوباما B.Obama لسياسة «الاحتواء» عبر منع تنظيم داعش من الزحف العسكري نحو بلدان عديد دون تدخل عسكر مدعم بهجوم سياسي كما حدث في المسألة العراقية مع الجمهوريين سنة 2003،أرد أوباما اجتناب أخطاء الجمهوريين و امتصاص غضب الرأي العام الأمريكي الذي كان يطالب بعودة الجنود الأمريكيين من العراق و أفغانستان، و الحد من النفقات العسكرية الهائلة التي كلفها التدخل الأمريكي سنة2003 لإسقاط نظام صدام حسين.

أما بالنسبة لروسيا، فهي لم تنهج نهج «الاحتواء » الذي اتبعه الرئيس أوباما، بل إنها نهجت خطة عسكرية هجومية واضحة، و ثبتت قاعدة عسكرية جوية لها بسوريا، لتوجيه ضربات لداعش و لكل الفصائل الإسلامية المسلحة المواجهة لنظام بشار الأسد بسوريا. غرض روسيا هو دعم النظام السوري و تجاوز مرحلة تراجعها بمنطقة الشرق الأوسط طيلة عشرين سنة، فترة تكريس الأحادية القطبية الأمريكية [1990-2010]، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي سنة 1991 و سقوط جدار برلين سنة 1989. إن تدخل القوات العسكرية الروسية في سوريا بشكل عنيف في خريف 2015 جاء لقطع الورم السرطاني لداعش المهدد لنظام الأسد الحليف لروسيا و إيران، كما جاء لتأكيد موسكو لحضورها الجديد و بشكل يتجاوز التمثيليات الدبلوماسية [السفارات] و المصالح الاقتصادية [الشركات و المبادلات التجارية] نحو حضور حقيقي في رقعة الشطرنج العسكرية و السياسية.

إن دخول داعش في يونيو 2014 منطقة الموصل العراقية كان دخولا تلته عمليات قتل جماعي لسكان مدنيين، و هو نفس القتل الجماعي المتكرر بأشكال بشعة بمنطقة كوباني السورية في يونيو 2014 كما بمنطقة دير الزور السورية في غشت 2014 فخطة الترهيب  و التخويف التي نهجتها داعش بدءا من صيف 2014 لم تقتصر على الأراضي العراقية والسورية، و لن يكون الضحايا من المدنيين و العسكريين بهذه البلدان، بل ستمتد أعمالها الإرهابية إلى بلدان أخرى حيث استهدفت مدنيين كمقتل 13 صحفيا بمقر صحيفة "شارلي ايبدو Charlie Hebdo " في يناير 2015، و العمل الإرهابي في نونبر 2015 الذي استهدف مسرح الباطاكلان Bataclan و ملعب كرة القدم بباريس أو شن هجوم انتحاري على محطة قطار بأنقرة التركية في أكتوبر 2015، أو تفجير ضريح السيدة زينب جنوب دمشق في يناير 2016 (70 قتيلا)، أو تفجيرات بمطار ومترو بروكسيل ببلجيكا (32 قتيلا)، أو مقتل 50 مدنيا بأورلاندو الأمريكية في يونيو 2016، أو استهداف الأماكن الدينية المقدسة بالسعودية ليلة عيد الأضحى في  قلب المسجد النبوي بالمدينة المنورة في يوليوز 2017 (7 قتلا)، أو دهس جموع المحتفلين بالعيد الوطني بفرنسا في 14 يوليوز 2016 و مقتل 84 من الأبرياء .

هي مجرد أمثلة تستحضر حالات العنف الإرهابي لداعش الذي يستهدف المدنيين، هذا دون ذكر حالات التنكيل بالخصوم العسكريين، و حالات التفجيرات المتكررة و التي لم تتوقف إلى اليوم خاصة بالعراق و سوريا حيث كان صيف سنة 2017 فترة لمواجهة داعش و العمل على طرده من المناطق التي احتلها منذ صيف 2014، و هو ما يتبين اليوم في تراجعه و فرار  مجموعة من مقاتليه و توجيههم نحو بلدان أخرى بإفريقيا الشمالية و حتى الفيلبين مرورا عبر تركيا المجاورة للعراق و سوريا.

شارك على :