ماهي ضوابط فهم القرآن والاستدلال به؟ سؤال قديم يتجدد كل حين ولا غرابة في ذلك بالنظر إلى أننا اليوم نعيش فوضى في الاستدلال بالقرآن للدفاع عن مواقف مسبقة، مواقف تصدر من فئات تعيش في صراع مع الواقع ومع الآخر همها تسويغ رؤاها وتحميلها طابعا مقدسا لتبرير سلوكيات شاذة تصل حد التناقض، ولتجسر في الآن نفسه طريق تقبلها، لذلك لا يستغرب الإنسان كيف أن المتطرفين وتنظيماتهم يدبجون بياناتهم وفتاويهم بآيات من القرآن لإقناع الشباب بصدقيتهم ودفاعهم عن العقيدة والملة الإسلامية وهم أبعد خلق الله عن المنهج الرباني.

ليس هذا النمط من التفكير بجديد، فقد شهد تاريخ المسلمين نماذج كثيرة منذ البواكر الأولى لنشأة الإسلام ممن كانت لهم مواقف سياسية متطرفة وبحثوا لها عن شواهد من القرآن لتمريرها على العامة من الناس، وجعلوا القرآن ملطخا بدماء الأبرياء وهو برئ منهم براءة الذئب من دم يوسف، لذلك تفطن الأوائل من الصحابة لهذه المسألة وخطورة الموقف، فعلي رضي الله عنه وهو ابن عم الرسول عليه الصلاة والسلام وأقرب الناس إليه وأكثر الصحابة تفاعلا مع القرآن فهما وتنزيلا بعد الرسول بين خطورة الاستدلال بالقرآن بغير ضوابط لأن ذلك يفتح الباب أمام الأهواء و النزوات  فقد ورد عنه انه قال  لعبد الله بن عبَّاس، لمَّا بعثه للاحتِجاج على الخوارج؛ "لا تُخاصِمْهم بالقُرآن؛ فإنَّ القُرْآن حمَّالُ أوجُه".

ومعروف أن الخوارج يصدرون مواقفهم من مبدأ " لا حكم إلا لله" وهو قول وصفه علي كرم الله وجهه بأنه حق أريد به باطل، إذ لا خلاف بين الصحابة ومن جاء بعدهم أن المرجع في الحكم والتشريع هو كتاب الله تعالى، وفي القرآن توثيق لمواقف ولآيات تبين ضرورة اللجوء لذوي الخبرة والحكمة من الناس في بيان الأحكام ولحل النزاعات ومن أمثلة ذلك ما يلي:

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا  [النساء: 35]. وقال: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ  [الشورى: 10] وأيضًا:﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ  [النساء: 59] ، وقال: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ]النساء: 83.[ 

فالخوارج وقعوا في شراك "القراءة العضين" التي أنكرها الله تعالى واعتبرها من صفات المشركين الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض حيث قال " الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) سورة الحجر[.

والقراءة التي أنكرها القرآن وما ترتب عنها من مآسي شتتت صف المسلمين وجعلت فئة من شباب هذه الأمة الوسطية يقع في التطرف والتشدد، هي نتاج لغياب المنهج السليم في التعامل مع القرآن الكريم وغياب رؤية منضبطة لمسالك الاستدلال والتأويل، على الرغم من أن العلماء تصدوا لهذه المسألة وألفوا فيها مجلدات منذ القرن الأول من تاريخ الإسلام إلى اليوم.

وقد يقول قائل مالنا ومال الخوارج، إنهم قوم غابرون في التاريخ ولم يعد لهم وجود، غير أن هذا الاعتراض مردود لأن الخوارج ليست طائفة من الطوائف التي عرفها تاريخ الإسلام، بل هي حالة فكرية تتجدد مع الزمن بفعل عوامل سياسية واجتماعية، هي حالة ناتجة عن الأزمة الصادرة عن انسداد أفق التنوير والتجديد الحضاري، وبيان ذلك أمر يسير والنموذج الأبرز على ذلك هو التطابق الحاصل بين فكر الخوارج وفكر الدواعش ومن شاكلهم من المتطرفين الذين يدعون الدفاع عن الإسلام والمسلمين والدفاع عن الملة والدين.

هذا الضربُ من الناس من أغرب أشكال بني آدم، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ [الكهف: 103].

يقول ابن تيمية في وصفهم: "وكانت البدعُ الأولى؛ مثل بدعة الخوارج، إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضتَه، لكن فهِموا منه ما لم يدل عليه، فظنُّوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب؛ إذ كان المؤمنُ هو البرَّ التقي، قالوا: فمَن لم يكن برًّا تقيًّا، فهو كافر، وهو مُخلَّد في النار" ]مجموع الفتاوى 13/20[.

ولبيان التطابق بين الخوارج والدواعش نورد الصفات المشترك بينهما وهي:

  • - تأويلهم القرآن بغير علم ولا ورود نص صريح يدل على تأويلهم الخاطئ، فقد جعلوا القرآن عبارة عن أدلة مجزأة لتبرير جرائمهم ومواقفهم من المخالفين.
  • - تكفيرهم لصاحب الكبيرة؛ فإنهم يُكفِّرون مرتكب الكبيرة، ويحكمون بخلوده في النار، وهذا مخالف للأدلة والنصوص الصريحة الصحيحة، قال ابن تيمية في بيان بطلان تكفير مرتكب الكبيرة " وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة" 
  • - ترويعهم للمسلمين، فقد عُرِف الخوارج بالشدة والغلظة، مع أن الإسلام دين الرحمة والإحسان.

وردت هذه الصفات في معرض الإجابة عن سؤال وجه للهيئة العلمية في الشام حيث أوردت الهيئة جوابها بالصيغة التالية "الضابط المُعتبر، والقول الفصل في تعريف الخوارج وإلحاق هذا الوصف بطائفة أو فرقة من الفرق هو ما ورد في النصوص الشرعية، وقد فصَّلت السنة النبوية في صفات الخوارج ما لم تُفصِّله في أيِّ فرقة أخرى؛ لعظيم خطرهم، وسرعة الاغترار بهم، ومن أهمها: التَّكفير، واستباحة الدماء، وسوء الفهم لنصوص القرآن والسنة، والطَّيش والسَّفه، وحداثة السن، مع الغرور والتعالي".

ولكن أخطر صفة مشتركة بين الخوارج والدواعش هي ما عرف عنهم من مكابدة النفس في العبادة والتضحية بالغالي والنفيس في الدفاع عن مذهبهم وهي الصفة التي تجعل الشباب المندفع يغتر بهم والانضمام إليهم لأنهم يتركون انطباعا في نفوسهم أنهم أصحاب حق، و الحقيقة أن الاجتهاد في الطاعة وبذل النفس، والمناداة بتطبيق الشريعة، أو محاربة الطواغيت، لا تعني بالضرورة السلامة من الانحراف، بل هذا ما عُرف به الخوارج طوال تاريخهم. 

فقد أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن اجتهاد الخوارج في العبادة حتى لا نغترَّ بهم فقال: (يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ ) متفق عليه.

قال الحافظ ابن حجر: "كَانَ يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ لِشِدَّةِ اجْتِهَادِهِمْ فِي التِّلَاوَةِ وَالْعِبَادَةِ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهُ، وَيَسْتَبِدُّونَ بِرَأْيِهِمْ، وَيَتَنَطَّعُونَ فِي الزُّهْدِ وَالْخُشُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ". 

وأخبرنا صلى الله عليه وسلم أن الخوارج يحسنون القول ويظهرون الدعوة للحق، فقال عنهم: (يُحْسِنُونَ الْقِيلَ، وَيُسِيؤونَ الْفِعْلَ) رواه أبو داود، وأحمد. وقال: (يَتَكَلَّمُونَ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لَا تُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ) أخرجه أحمد والبزار.

شارك على :