تصادمت بنيتان ثقافيتان كبيرتان في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي تصادعا قويا ترك أثرا قويا على كل الطرفين العالم الغربي والعالم المشرقي. هذا الأخير كانت صدمته عنيفة ومستجيبة لمتطلبات العصر التاريخي جزء من الشرق أخذ مكانه في التاريخ ووفق إلى التوفيق بين مطلبين أو حتميتين مختلفتين: ضرورة التطور والأخذ بأسبابه وضرورة التمسك بجزء من مكونات الذات. كان هذا الطريق هو مسار اليابان والصين وروسيا واللواحق. لكن القسم الثاني من الشرق، وهو الشرق الإسلامي فقد صدمته الصدمة وخلخلت بناءه الثقافي والحضاري، لكن في استجابة معاكسة مؤداها أن هذا عدوان، وهذا مكر ودهاء وقوة لن تخرجنا عن أطوارنا وعن ذواتنا.

وبقدر الاندراج الجزئي والمتعثر في المنظومة الكونية ببطؤ وحذر، وبخاصة في جانبها التقني فإنها أبدت مقاومات ثقافية قوية انطلاقا من قناعة راسخة قوامها أننا أحسن أمة وأحسن لغة، وأعرق ثقافة، وتنال رضى الله عنا لأنه آثرنا بآخر إطلالة باللغة العربية على العالم، وطوقنا برسالة تتمثل في نشر هذا المعنى المليء بالرحمة والمحاط بالجلال. فصمودنا اختبار وبلاء وتقدم الآخرين وتفوقهم ما هي إلا امتحان لنا في الدنيا من أجل الآخرة. أضف إلى ذلك ركام أمجادنا في اكتساح العالم وفي إنجاز المعارف العلمية وفي مجال التعبير النثري والشعري.

وقد هيأت مثل هذه التصورات التي لا تخلو من جمالية وبلسمية ونرجسية لحدوث اصطدام قوي بينها وبين ما يقابلها من تصورات لدى الآخر المتفوق.

وربما كان الموقف الموضوعي والتاريخي الصلب في هذه الحالة صعبا وعسيرا فإن بالإمكان استخراج بنية تقابلية لكلا الحالتين حول آلاف القضايا:

- هل السلطة السياسة سلطة بشرية أم سلطة إلهية؟

- هل التفكير استدلال عقلي وملاحظة تجريبية أم مجرد رواية وعنعنة عن السابقين؟

- هل الإنسان كائن مستقل ومتميز أم أنه نتيجة تطور السلسلة الحية؟

- هل للإنسان حقوقه، وهل هي ذات مصدر علوي أم محايث؟

- ما هو تصور الكون هل هو المجموعة الشمسية أم مجموعات لامتناهية أخرى، وما هو مركز مجموعتنا الشمسية، وما هو الانفجار العظيم؟

- ما الذي يتعين أن يؤطر الكلية الاجتماعية: الدين أم الثقافة أم الحقوق

وهناك آلاف القضايا التي يحدث حولها الاختلاف بين الرؤية الحديثة والرؤية التقليدية التي يؤطرها الفقه التقليدي والثقافة التقليدية أورد منها ما ذكره الباحث المغربي سعيد ناشيد في شذرة له تحت عنوان "سؤال الأخلاق عند المتأسلمين حيث يقول:

"أوقفتني وقالت لي: لا تبحث عن الأخلاق في موروث فقهي يرى المرأة سلعة، والسبي متعة، والحرب خدعة، والإبداع بدعة، والسياسة طاعة، والدين بضاعة، والوطن جماعة؛ لا تبحث عن الأخلاق في موروث فقهي يرى العين تزني، واليد تزني، والقلب يزني، والكل يزني؛ لا تبحث عن الأخلاق في موروث فقهي يرى عورة الأمة بين الركبتين والصرّة، وعورة الحرّة من أخمص القدمين إلى آخر شعرة؛ لا تبحث عن الأخلاق في موروث فقهي يبيح سبي الأسيرات، ونكاح القاصرات، ومفاخذة الصغيرات؛ لا تبحث عن الأخلاق في موروث فقهي يرى الفقه حيلا، والعنعنة دليلا، والحوار سجالا، والدنيا قتالا، والآخرة أهوالا. ثم قال: لا تبحث عن الأخلاق في موروث فقهي لم يطرح سؤال الأخلاق".

شارك على :