في الكثير من الأحيان نسمع  في أحاديثنا العامة وفي الأماكن العمومية، وفي بعض وسائل الإعلام، وبشكل خاص في المساجد والمدارس والتجمعات الدينية بالعالم الاسلامي، بل وحتى في العالم الغربي، أن سبب تأخر المسلمين هو الغرب. ولذلك لا نفتأ نجد من يسوق لهذه الفكرة، تحت اسم نظرية المؤامرة. ولعل أكثر من يتعرض لهذا النوع من الوعي الشقي، هم فئة الشباب. لأنهم يتغذون من العديد من الوسائط الاعلامية والدينية، بالكثير من الأفكار المشحونة بالعنف الرمزي، وبشكل خطير بشيطنة الآخر، وهو الغرب سواء الأوربي أو الأمريكي. ولعل استمرار هذه الفكرة، يرجع إلى الارث التاريخي الذي طبع العلاقات المتوترة بين العالمين الاسلامي والغربي. وقد استغل هذا التوتر، العديد من الجماعات الدينية المتطرفة والجهادية، بل وحتى التي يعتبرها البعض "دعوية" "سلمية". لذا نتساءل ما هي الاسباب العميقة لاستمرار هذه الأفكار الهدامة؟ والتي تسمم الأجواء وتشحن الشباب بالكره والكراهية للأخر؟ ما هي تداعيات هذه المسألة على تعايش المسلمين والمسيحيين بتلاوينهم في البلاد الغربية والأمريكية وغيرها؟ كيف يمكن توجيه الشباب لتجاوز مثل هذه التصورات لاقامة قيم التسامح والتفاهم والعيش المشترك؟

يمكن اعتبار أن السبب في وجود الأفكار المسبقة حول الغرب، بشيطنته، وبرد كل تخلف وتراجع وتأخر، له، هو نتيجة لسنوات من الارث التاريخي الذي طبع العلاقات المتوترة بين كلا العالمين. ورغم الجهود التي بذلت في السنوات الاخيرة، للتقريب بين وجهات النظر، فإن ظهور الفكر الديني المتطرف بتلاوينة المختلفة، سواء مع القاعدة بالامس، أو اليوم مع داعش،  والذي ساهم في انتعاش قيم الكره. ولعل الدعوى التي يقدمها هذا الطرف للتمكين لفكرته، إنما تتجلى في تسويق نظرية المؤامرة، والتي تعني إرجاع كل تراجع أو تخلف او تدهور أو حروب للآخر، أي الغرب وأمريكا. مستندين في ذلك، للنص القرآني (ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود). ولهذا يتم الخلط بين الديانة اليهودية كديانة سماوية، والصيهونية كمنظمة عالمية إرهابية. وأكبر خلط يتم تسويقه هو أن هذا الغرب وأمريكا يتم السيطرة عليهم من طرف اليهود، لتدمير العالم الاسلامي، بشتى الوسائل. كالتشجيع على "الفجور"، ونشر "الرذيلة" و"الفاحشة" وإغراق المسلمين في دوامة "اللهو والرقص والخمور والعاهرات" أو من خلال الترويج لفكرة "الماسونية".  و يتم ذلك عن طريق الإعلام، أو من خلال مناهج التعليم وفي الجامعات وفي شبكات التواصل الاجتماعي وفي العالم الأزرق. وفي مرحلة ثانية، -حسب نفس الدعاوى- يتم التأثير في صناع القرار في العالم الاسلامي، باستمالتهم وتوجيهم للتخلي "عن شرع الله" وعن "تطبيق أحكام الشريعة" وما إلى ذلك. وإذا تمت هذه العلميات مجتمعة الواحدة تلو الأخرى، فإن ذلك ما يعني أن الغرب/ أمريكا و"اليهود"، قد تمكنوا من استعمارنا بطريقة جديدة وناعمة وأكثر نفاذا.

انطلاقا من كل ذلك، فإن الترويج لفكرة المؤامرة يلقى قبولا كبيرا عند الفئات الشابة، ويجد صداه في أحاديثهم وفي المدارس وفي الجامعات و الحلقيات والمنتديات وفي شبكات التواصل الاجتماعي. هنا ينبري (يظهر) الحل لمواجهة هذا "التسونامي". فكيف يتم التمكين له؟

إن واقع الهشاشة الفكرية وغياب الحس النقدي عند أغلب شبابنا، يساعد على تلقي الفكر السهل والبسيط و القائم على نظرية المؤامرة، لأن أسهل شيء هو أن ترمي الآخرين بمسؤولية تأخره، عندما تعجز عن تحقيق طموحاتك (ويكن أن نوضح هذه الفكرة، فعندما يرسب تلميذ (ة) أو طالب (ة)، لا يحمل المسؤولية لنفسه، بل يرمي به الأساتذة او الإدارة أو أصدقائه أو أسرته، المهم ان يبحث عن كبش فداء). وعليه، فإن الفكر المتطرف والمنغلق، يصور العملية بهذا الشكل: الآخرون هم الجحيم، وعلينا أن نحاربهم، لكي نطهر الأرض من "رجسهم" و"تفسخهم". والحل يكمن في بدء عملية الشحن وغسل الدماغ لآلاف بل ملايين الشباب، ممن يعيشون سواء في المنطقة الشرق أوسطية أو أسيا أو شمال إفريقيا أو في أوربا وأمريكا. وعندما يتم تصوير هذا "العدو" بأنه سبب تخلفنا وبأنه يريدنا أن "نعيش في الضلال" (ود الذين كفروا لو يردونكم عن دينكم) ، فإذن عليك أيها الشاب أيتها الشابة أن تقوم بواجب "الأمانة" وهي نصرة الدين، (إن تنصروا الله ينصركم). وذلك عن طريق شيطنة الآخر، وبالتالي تكفيره وتفسيقه وتضليليه، إنه "الشيطان الأكبر" الذي إذا ترك سيملأ الأرض فاحشة وضلالا، بعدما كانت قد أضيئت "بنور الاسلام".

بيد أن أخطر مسألة يتم بها شحن نفوس وعقول الشباب، عندما يتم تسويق بعض النماذج السيئة التي حدثت في الماضي او الحاضر والتي تبين أن الغرب وأمريكا عدو للمسلمين، خصوصا تلك المتعلقة بالحرب على العراق أو أفغانستان، ويتم تجاهل ان هذه الحروب كانت لها أسبابا وسياقات معقدة، يتداخل فيها العامل الداخلي والخارجي، وبالتالي يصعب الاطمئنان لها كلية.

إن هذه الفكرة التي بنيت على مقدمات خاطئة، تجد قبولا عند الشباب، وهو ما نلاحظه في العمليات الإرهابية العنيفة التي يذهب ضحيتها  اليوم، العديد من الأبرياء سواء في أوربا أو أمريكا أو في العالم الاسلامي. ولعل إثارة هذه المسألة في هذا السياق، إنما بهدف  إلى تنبيه الشباب إلى تهافت مثل  هذا الخطاب، القائم على  التدليس و التأويل الخاطئ للنصوص القرآنية والحديثية. إذ كما يعلم الجميع، لا يمكن أن نضع الغرب وأمريكا واليهود كلهم في سلة واحدة، فأغلبية هذه الشعوب، تتميز بسماحتها وبتقبلها للديانة الإسلامية، والسماح لمنتسبيها بممارسة شعائرهم وطقوسهم و صلاوتهم وبناء مآذنهم وما إلى ذلك. و يجب التذكير أن العديد من المسلمين لم يذوقوا طعم الحرية إلا في أمريكا وفي أوربا. والأهم من ذلك، ان تخلف الشعوب او تقدمها هو نتيجة اجتهادها او تقاعسها، ونتيجة استخدامها للعقل وللعقلنة وليس لوجود مؤامرة غربية او أمريكية، إذ لماذا لا نقول هذا الكلام على شعب الصين وعلى اقتصاد الصين وعلى اليابان وعلى كوريا الجنوبية وعلى تركيا وعلى الهند والبرازيل وغيرهما من الدول والاقتصاديات الصاعدة، بل التي حققت تنمية عملاقة كالصين؟

هذه الأسئلة وغيرها، هي التي وجب أن يطرحها كل شاب او شابة، يسمع لدعاوى الفكر المتطرف والإرهابي. إذ من المسؤول عن تخلفنا: هل الغرب أم نحن؟ حتى اننا نجد في القرآن الكريم، قوله "قل هو من عند أنفسكم" أي أن مصدر الشر والتخلف هو من صنع أيديكم وليس بسبب الآخر. وقوله أيضا "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" وهي آية صريحة ودالة على ان التغيير من الأسوأ إلى الأحسن، لا يكون بتدخل الآخر، بل هو من صنع أيدينا أي من إفراز المجتمع ومن عبقريته وذكائه واستخدامه للعقل، واعتماده على طاقاته وعلى عقول أبنائه وعلى حافزيتهم الحضارية.

ولعل الاخطر في "شيطنة" الآخر، ورميه بكل النعوت والأقداح، خصوصا تلك التي تتعلق ب"هدم الأخلاق"، هو ما يترتب عنها من ردود فعل عنيفة. فعندما يسمع الشاب أو الشابة، أن هذا الغرب/ أمريكا، هو سبب تفشي "الرذيلة" و"الفاحشة"، فإن ذلك ما يدفع هذا الشاب او الشابة إلى التفكير في مواجهته بالعنف، وباستعمال المتفجرات لتحطيم "العدو الأكبر" أو "الشيطان الأكبر"، ويتم تحريف بعض الآيات القرآنية واستعمالها في غير سياقاتها الأصلية، كمثال على ذلك "وقاتلوا المشركين كافة، وليجدوا فيكم غلظة" (أي قسوة). ويمكن ملاحظة أن أعنف العلميات الارهابية التي وقعت في السنوات الأخيرة، كانت من طرف التيار الارهابي، سواء من طرف القاعدة سابقا، أو على يد "داعش" حاليا.

وبالمقابل، يتم طمس حقيقة الاسلام السمحة والمتعايشة والتي تتأسس على فكرة التعايش، من ذلك قوله تعالي (تعالوا إلى كلمة سواء) وهي دعوة للمسلمين لكي يكونوا في مستوى إشاعة قيم التعايش مع الآخر، ونبذ الأحقاد والضغائن والعداوات.

لذا وجب عليك أيها الشاب الشابة، أن تفهم وتستوعب خطر فكرة المؤامرة، نظرا لمآلاته على مستقبلك وعلى أسرتك وعلى مشروعك العلمي والمهني وعلى مجتمعك بشكل أوسع. وعليك ثانيا أن تفهم انه الأصل في العلاقات مع الشعوب والأديان والإثنيات والمذهبيات، هو التعايش والتفاهم والتسامح وليس الكره والعنف والمصادرة والاعدام. (فالآخر يسكننا على نحو ما) و إن وجودك مشروط بوجود الآخر. وثانيا، أنه لولا التعايش بين الحضارات لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، فكما كنا سادة العالم وقدمنا للإنسانية العديد من الاختراعات والابتكارات والرؤى والتصورات وقيم الحياة، فإن الغرب وامريكا اليوم يقدمون لنا العديد من المنتجات والابتكارات و الاختراعات والرؤى والتصورات، فالتراكم الانساني ليس له حدود، والحضارات تبنى بهذا التراكم. وأهم شيء في تحقيق هذا التراكم، هو إزالة الأحقاد والاضغان، والقبول بالتعايش معه وبه لكي يتم بناء مستقبل أكثر ازدهارا وتقدما وسلاما وأمنا.



عن هيئة تحرير الموقع