الباحث الألماني غيدو شتاينبيرغ: فكر "داعش" مازال فاعلاً



رغم أن "داعش" خسر الموصل وبعد أن باتت الرقة على وشك سقوط مؤكد منه إلا أن هذه الميليشيا الإرهابية لن تختفي. ماتياس فون هاين حاور الخبير الألماني في شؤون الإرهاب غيدو شتاينبيرغ حول التربة الخصبة للإرهاب التي ترعرع فيها تنظيم "داعش"، والطريقة الوحيدة لسحب البساط من تحته.

لقد مُني تنظيم "داعش" بالهزيمة في الموصل، كما أنه يتعرض في عاصمته الرقة بسوريا لضغوط كبيرة. كيف سيكون مستقبل "داعش"؟

غيدو شتاينبيرغ: سيكون ما يزال علينا التعاطي مع "داعش" لحين من الوقت. والسؤال هو: بأي شكل سيكون هذا التعاطي؟ لقد انتهت شبه الدولة هذه وسيكون من الصعب عليها العودة في هذا الاتجاه. وعلى أساس القناعة بأن "داعش" هو تنظيم عراقي فإننا نلاحظة منذ الأشهر الأخيرة أن "داعش" سائر في الاتجاه الذي سار عليه عام 2006 من قبل: فهو سيرى أولاً كيف سيتم تمويله في العراق؟ وثانياً سيحاول قتل الفاعلين الرئيسيين في الطرف الآخر. ثم ثالثاً: سيرتكب هجمات كبيرة. هذه هي الركائز الثلاث الحالية والمستقبلية لاستراتيجية "داعش".

بالنسبة للتمويل: في الآونة الأخيرة، لقد تقرر القيام بالعديد من المبادرات لاستنزاف المصادر المالية للإرهاب. فهل سيكون لهذا تأثير على "داعش"؟

غيدو شتاينبيرغ: لا، لأن هذه مكافحة التمويل في كثير من الأحيان قلَّما تتعامل مع المنظمات الفردية. "داعش" موجود في بلد غني جداً. لقد تمكن في الماضي من تمويل نفسه هناك، وسيتمكن من ذلك في المستقبل أيضاً. لكن السؤال هو: كيف سيكون ذلك بالضبط وأين؟

في الماضي، كانت الموصل – خصوصاً – هي مركزه المالي، أي: من عام 2006 إلى عام 2012. والسؤال هو ما إذا كان سيتمكن من فعل هذا من جديد، إلى أي مدى ستكون سيطرته على المدينة. لكنه سيموِّل نفسه من خلال الصراع في العراق، وليس لدي أدنى شك في ذلك.

غيدو شتاينبيرغ: المشكلة الأساسية هي أنه كانت توجد انتفاضة في العراق في السنوات التي تَلَت عام 2003. ولم يتبقَّ من المجاميع المنتفضة غير "داعش" على شكل تنظيم القاعدة العراقي في البداية. وقد استفاد هذ التنظيم بشكل هائل في السنوات التالية من إقصاء مَن انتخبهم السُّنَة - وهم أفراد من السُّنَة وأفراد أكثر علمانيةً - إلى حافة النظام السياسي.

لقد تمت معركة الموصل بوحشية كبيرة من كلا الجانبين، كما تقول منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقيتان، وكما تثبت صور وفيديوهات مزعومة لتعذيب وإعدام مقاتلين تابعين لـ"داعش" وعائلاتهم. كما أن مدينة الموصل –وخصوصاً المدينة القديمة– باتت خراباً. فإلى أي مدى الدولة العراقية جيدة في وضع المجتمع الدولي في الصورة، من أجل تنظيم إعادة الإعمار والمصالحة، بحيث يتم سحب البساط من تحت "داعش" وتفادي تكوُّن أي أرض خصبة قد يرتعي فيها هذا التنظيم؟

الوضع في العراق بالتأكيد أفضل مما هو عليه في سوريا المجاورة، وهذا لأن للعراق حكومته الفاعلة على أرضه. ولكن السؤال الكبير هو: ما هي أفكار الحكومة في بغداد من أجل الموصل على أرض الواقع؟ إذ توجد خشية من أن الحكومة المهيمن عليها الإسلاميون الشيعة في بغداد – والواقعة أيضا تحت نفوذ إيراني قوي–  لا تؤمن بمصالحة كبيرة مع أهل السنة في الموصل.

لهذا يجب أيضاً الخشية من عدم التخلص من المشكلة السياسية الكامنة وراء صعود "داعش". إعادة الإعمار ليست بالمشكلة الكبيرة جداً بالتأكيد، لأن العراق بلد غني، ولأن بإمكانه فيما يتعلق بهذا الموضوع الاعتماد بالتأكيد على مساعدة ألمانيا وغيرها من الدول. لكن الأمر حاسم هو الأبعاد السياسية للمشهد ككل، وفيما يتعلق بهذه النقطة فإننا لا نعرف في أي اتجاه ستذهب بغداد.

لقد تحدثتَ عن المشكلة السياسية الأساسية، التي أدت إلى صعود "داعش". ما هي هذه المشكلة بالضبط؟

غيدو شتاينبيرغ: المشكلة الأساسية هي أنه كانت توجد انتفاضة في العراق في السنوات التي تَلَت عام 2003. ولم يتبقَّ من المجاميع المنتفضة غير "داعش" على شكل تنظيم القاعدة العراقي في البداية. وقد استفاد هذ التنظيم بشكل هائل في السنوات التالية من إقصاء مَن انتخبهم السُّنَة - وهم أفراد من السُّنَة وأفراد أكثر علمانيةً - إلى حافة النظام السياسي.

لم يكن لهؤلاء تأثير يُذكَر على مصير العراق، الذي بات يقع الآن تحت تأثير إيران القوي، والذي تهيمن عليه أحزاب إسلامية شيعية تكاد تكون غير مستعدة لقبول مشاركة السُّنَة السياسية. هذه هي مشكلة السياسة العراقية، وأنا لا أرى في الوقت الراهن أي تغيير أساسي، رغم تفهم بعض الساسة في بغداد بالتأكيد لهذه المشكلة.

رغم أن الموصل هي أكبر مدينة عراقية تم تحريرها من "داعش" لكنها ليست الأولى التي يتم تحريرها، فقد تم في السابق تحرير تكريت والرمادي والفلوجة وغيرها. فكيف تطور الوضع هناك؟

غيدو شتاينبيرغ: وقعت في معظم المدن - وخصوصاً في تكريت والرمادي- انتهاكات لحقوق الإنسان: لا سيما ضد المدنيين السُّنَة، وضد سجناء تم اتهامهم من دون دليل بأنهم مقاتلون تابعون لـ"داعش" أو متعاطفون معه. كما أن تجربة الأشهر الأخيرة لا تدع مجالاً إلا للقليل من الأمل.

ومع ذلك، يجب القول: إنه أينما وقع طرد لـ"داعش" فإن الوضع لا يزال سيئاً جداً. والسبب يعود بكل بساطة إلى أن أجزاءً كبيرة من هذه المدن مدمرة، لأنه لم يتم تطهيرها بعد من مصائد المتفجرات. لا تزال هناك مشكلات عملية. زِد على ذلك سياسة الحكومة المركزية التي لا تدع مجالاً إلا للقليل من الأمل في استعداد حكومة بغداد لانتهاج سياسة مختلفة عما كانت عليه في الماضي. وهذا هو السبب في قناعتي التامة بأن "داعش" أو ربما تنظيمات أخرى سيكون لها نوع من مناطق تجنيد معينة في شمال العراق وغربه.

ما مدى تضرر "العلامة المميزة: داعش" عبر هزيمة التنظيم في الموصل وكيف سيؤثر هذا على تجنيد الأنصار؟

غيدو شتاينبيرغ: للأسف، لا يمكن حالياً الإدلاء بقول دقيق حول ذلك، وهذا لأن "داعش" كان تنظيماً جذاباً بشكل أكبر جاذبيةً بكثير من المنظمات الإرهابية التي سبقته. ولهذا، يُخشى من يواصل فكره في التأثير. ولكن فكره كان فعالاً لأن "داعش"  كان يدعي أنه: دولة. لقد كان الكثير من السلفيين حول العالم يحلمون بدولة إسلامية على غرار دولة القرن السابع الميلادي، اقتداءً بالنبي. أما الآن فلم تعد توجد هذه الدولة، وربما مات الخليفة أيضاً. وهنا يُطرح السؤال: ما هو حجم الدول التي على "داعش" تقديمها من أجل اجتذاب المجندين؟ نحن لا نعرف ذلك في نهاية المطاف.

ماذا يعني إضعاف "داعش" بالنسبة لخطر الإرهاب في أوروبا؟

غيدو شتاينبيرغ: الخطر الإرهابي في أوروبا مرتفع جداً، وأنا لا أعتقد بوجود تغيير أساسي في ذلك. من جهة أخرى نرى أن ردود فعل سلطاتنا وجاهزيتها أصبحت أفضل مما كانت عليه في عامَي 2014 / 2015. وهذا يعني أيضاً إفشال هجمات كبرى، كالتي كانت مثلاً في باريس في الـ13 من تشرين الثاني/ نوفمبر 2015.

من ناحية أخرى علينا أن نتوقع أن الكثير من المقاتلين التابعين لـ "داعش" سيخرجون من صفوفه. وسيعود جزء منهم إلى بلدانهم الأصلية. وربما سيتم إرسال جزء منهم إلى الخارج، بحيث من المحتمل أن يظل مستوى الخطر الإرهابي في أوروبا عند مستوى مماثل لما كان عليه في العامين الماضيين - مع استثناء واحد، وهو أنه: سيكون من الأصعب على "داعش" تنفيذ هجمات كبيرة مثل هجمات باريس، بسبب فقدانه لإمكاناته التنظيمية التي كان يتمتع بها في شبه دولته. وسيكون من المحتمل القيام بتفجيرات صغيرة، كتلك التي كثيراً ما رأيناها في السنوات السابقة.



المقال الأصلي: الرابط