في الكثير من المناسبات والملتقيات والاحاديث الخاصة والعامة وفي وسائل الاعلام، نسمع كلمة "الدولة الاسلامية"، خصوصا مع بروز ما يسمى اليوم "بداعش" (الدولة الاسلامية في العراق والشام). وهو مفهوم خطير ويتضمن العديد من التداعيات التي يلتقطها الشباب، لكي يشكل قناعته بأهمية "الدولة الاسلامية" وبأنه يسعى لتحقيقها في شرطه الوجودي. لكن ما حقيقة هذا المفهوم؟ وهل يوجد في الدين الاسلامي مثل هذا المفهوم؟ وهل يمكن التماهي (الذهاب)  مع دعوات الارهابيين عندما يطلقون مفهوم الدولة الاسلامية؟ ما هي تداعيات الايمان في مفهوم الدولة على فئة الشباب بشكل خاص؟ وما العمل لتجاوز التعارض بين الاسلام والدولة؟

بالتأمل العميق في الثرات الاسلامي القديم، يصعب استخلاص فكرة  الدولة، لانها ببساطة مفهوم حديث، التصق بعملية التحديث التي حدثت في العقد الثاني من القرن العشرين. لكننا نعثر على مفهوم "الأمة" والذي يعني أمة المسلمين الذين يتحدون تحت كلمة التوحيد والاخلاص لله الواحد القهار. ولعل في هذا الأمر ما يدل دلالة قاطعة على كون الاسلام، إنما أتى لكي يقيم قيم العدل والتسامح والمحبة بين الناس، إذ أنه (أي الاسلام) لا يؤمن بالعنف. والدولة هي عنف كما قال بذلك كبار المنظرين للدولة (ماكس فيبر/1864-1920) (كل دولة تقوم على العنف). وهنا لا يفهم من العنف دلالته القدحية (السلبية)، بل إنه عنف مشروع كما ذكر ذلك (فيبر). أي العنف الذي يعني تنظيم عملية توزيع السلطة والجيش بين أيدي فئة من الناس تكتسب الشرعية في حالات معينة، إما بالارتباط بالتقاليد القديمية (الأمس الأزلي)، أو بالسلطة الكاريزمية (الشخصية القوية للحاكم) أو بالاستحقاق الديمقراطي (الانتخاب). 

ولعل من خلال ذلك يتضح أن مسألة الحديث عن مفهوم الدولة في الاسلام، يحتاج إلى نقاش أوسع  ومستفيض، لانه يعكس جزء من التوتر الذي يطال الذهنية الاسلامية في تعاطيها مع مجموعة من المفاهيم المركبة بدون إرجاعها إلى سياقاتها التاريخية.

فالاسلام جاء كدعوة للعالم، تتضمن الخير والعدل والرحمة والتسامح والتعايش والايمان، وبالتالي لم يكن أبدا يقوم على القهر والعنف، وإلا تعارض مع مبادئه الكبرى. ولهذا السبب وجب أن نفهم لماذا كانت دعوة الاسلام على يد الأنبياء والرسل، ولم تكن على يد زعماء القبائل والحكام والسياسيين والقادة الحربيين والتجار الكبار. إذ لو كانت كذلك لما تحققت دعوة الاسلام ولا دعوات الاديان الأخرى. لأن الناس بطبيعتهم تخشى البطش والعنف والارهاب، وقد تستجيب لهذه الامور برهة من الزمن ثم لا تلبث أن تنفك منها وتتحلل من عراها، بدليل التجارب التاريخية التي مرت في العالم منذ بدء الخليقة إلى الآن. بينما يندمجون بسرعة قصوى في دعوات الانبياء والرسل لأنها دعوات قائمة على الايمان والسلم والمحبة ولم تقم في يوم من الايام على العنف والاكراه والرعب.

انطلاقا من هذه الفكرة المركزية، يمكننا أن نفهم لماذا لم يقدم الاسلام نفسه كدولة أولا وأخير، لأنه كان يعي خطورة هذه الدعوى وتداعياتها على ايمان الناس والعالمين. ولعل دليلنا في ذلك، أن الرسول وهو قيد حياته لم يعين أحدا لكي يخلفه على رأس الأمة الاسلامية آنذاك، وهي إشارة قوية إلى أن كل تحوير وتحريف لقيم الاسلام، بإدخاله في دعوات سياسية مصلحية وقهرية و عنفية ستنتهي حتما بالصراع والتطاحن والتباغض والاغتيالات، وهو ما حدث في تاريخ المسلمين بعد وفاته (الرسول).  ولهذا يطرح السؤال: هل هناك تعارض بين الدولة والاسلام؟

بالفعل هناك تعارض في المنطلقات الأولى التي يقوم عيلها كلا النظامين. فبعدما بينا الأسس الأولى التي قام عليها الدين الاسلامي، فإننا ننتقل للحديث عن بعض منطلقات الدولة وكيف يشرحها الباحثون في العلوم السياسية. فالدولة تعني فيما تعنيه السيطرة  و التغلب...، وذلك لأن أساس بناء الدولة يقتضي احتكار العنف وتملك أجهزته وسلطاته، وبالتالي فإن كل من يتصدى لبناء الدولة، فإنه يمارس عنفا على الآخرين الذين يدخلون معه في حروب و تطاحنات وصراعات ترتبط أولا وأخيرا على مسألة الموارد التي يقع عليها الصراع، ويمكن تلخيصها في أربع موارد مهمة: السلطة والثورة والمعرفة والقيم. فالسلطة تعني التحكم في الأخرين عن طريق تمكين أفراد الجيش والشرطة والقوة المادية أو الرمزية من احتكار كل اجهزة العنف الموجودة في رقعة جغرافية ما، قد تكون وطنا محدودا بحدود جغرافية ومجالية معينة، وقد تكون مملكة مترامية الأطراف. بينما الثروة هي المكمل للأول، لأنها هي التي تضمن للحاكم ولرئيس الدولة أي يستمر في حكمه وسيطرته على الآخرين. ولهذا نفهم لماذا يتكالب العديد من الرؤساء والحكام والاباطرة على جمع الثروة والمال، اعتقادا منهم أنه هو الذي يديم سلطتهم. بينما الرسل والانبياء لم يكن هاجسهم هو جمع المال والثورة، بقدر ما كان هو تعميم الدعوة على كل الناس. أما العنصران الآخران، واللذان يطالهما الصراع:  المعرفة والقيم، واللتين يمكن فهمها من خلال بناء مشروعية الدولة على أسس معرفية دينية وقيمية في الغالب، لأن الحاكم يحتاج دائما إلى من يدعم حكمه، وليس أفضل من ذلك، عندما يستند إلى مشروعية دينية، فالحاكم الذي يحكم "بشرع الله" هو المؤهل للحكم وليس أحدا آخر.

إذن يتبين أن بناء الدولة يقوم على احتكار كل شيء: القيم المعرفة السلطة والثروة، بينما الدين بصفة عامة، يقوم على توزيع كل هذه الموارد على المجتمع، وأن يستفيد منها كل الناس بهذا القدر أو ذاك. ولهذا فإن دعوة الاسلام لم تكن من أولوياتها بناء الدولة، لأنها مدخل من مداخل الفرقة والتشرذم والتفكك. لكن ما الذي جرى حتى بدأ التيار الجهادي يدعو إلى إنشاء الدولة الاسلامية؟

هنا وقع الخلط الكبير بين الاسلام كدين وكدعوة، وبين الاسلام كإيديولوجيا وكمذهب خاصين بتيارات الاسلام السياسي، الذين كانوا يسعون منذ 1920 إلى إقامة "دولة الخلافة" حسب زعمهم، وهي فكرة مثار العديد من النقاشات. لأن دولة الخلافة هي دولة متوهمة ومتخيلة وليس دولة حقيقية، لأنها لم تقم في يوم من الأيام على مبادئ العدل والحرية والتسامح والتعايش، بل قامت على الغلبة والتحكم والعنف والارهاب. وبالتالي فإن دعوة التيار الجهادي ممثلا في القاعدة سابقا وفي "داعش" حاليا، إنها هي دعوة لتحريف حقيقة الاسلام والدين معا. وهي ثانيا زج بقيم العدل والرحمة نحو العنف والدمار والتعصب.

تأسيسا على ما سبق، فإن الشاب والشابة المسلمة اليوم، عندما لا يستوعب الفروق الجوهرية بين كلا المنظومتين: الاسلام والدولة، فإنه يقع فريسة التيار الجهادي، الذي يبدأ في تحشيد هؤلاء الشباب، نحو ضرورة "بناء الدولة الاسلامية" بشتى الوسائل والطرق،  ومنها استعمال العنف والارهاب في وجه كل من يقف ضد هذه الفكرة. ولهذا يتم التغرير بالشباب، بدعوى أن بناء الدولة الاسلامية يعني أنك أيها الشاب أيتها الشابة، ستستطيع أن تعيش في حضن الاسلام وفي مملكة المسلمين وأن تتوفر لك كل مقومات العيش الكريم، من "زوجة أو زوجات" و"مبلغ مالي محترم" ومن "بيئة نقية صافية تمارس فيها شعائرك بكل حرية وطمأنينة" وهي دعوة مغرضة ومخالفة لدين الاسلام الذي يدعو إلى الكسب الحلال و إلى مخالطة الناس والاجناس وإلى التفاعل معهم وبهم لكي يؤسسوا لقيم العيش المشترك. ولعل في هذه الدعوة لإقامة "الدولة الاسلامية" المتوهمة والمتخلية ما يغري الشباب بالاستجابة لنداء ظاهره حق وباطنه باطل، بدون وعي. لأنها دعوة قائمة على خلط كبير بين الاسلام والدولة. و لهذا فيجب أن تحتاط جيدا أيها الشاب أيتها الشاب من الوقوع في شرك المضللين الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. فالدين لله والدولة للجميع. ولا يمكن الجمع بينهما لأنهما نسقان مختلفان اختلافا كبيرا.



عن هيئة تحرير الموقع