هناك آلية نفسية تشتغل عندما لا يستطيع فرد ما أو جماعة ما مواجهة صعوبات الواقع و تحدياته، يتمثل ذلك في استعادة و استرجاع الماضي على خلفية تصوره كماض مجيد، مشرق، ذهبي، تليد، عريق...

قد تكون هذه الاستعادة على المستوى الذهني فقط، على مستوى التخيل فقط؛ و إذا زادت جرعة ذلك التخيل انفصل الشخص المعني عن الواقع الحقيقي شيئا فشيئا، حتى لا تعود تربطه به رابطة، فنكون أمام حالة مرض ذو طبيعة نفسية، يتطلب علاجا وطبابة لتتم إعادة الربط بالواقع مرة أخرى.

و قد تكون هذه الاستعادة ذهنية و مرتبطة بفعل ما لتحقيق ذلك الماضي "الذهبي" في الواقع الحاضر، و محاولة إعادة إنتاجه باستمرار إلى ما لانهاية. و للقيام بذلك ينبغي "لي عنق" الواقع الحالي و تطويعه ليصبح نسخة طبق الأصل لذلك الماضي "المشرق"، حتى لو اقتضى الأمر اللجوء للأساليب العنيفة، للترويع و الترهيب. و في الحالة الإسلامية قتال و محاربة المسلمين و غير المسلمين حتى ينخرطوا في عملية بناء حاضر على صورة الماضي.

إذن هناك عوامل من طبيعة نفسية و إدراكية تقف وراء إنتاج الظاهرة "الإرهابية الإسلامية"، تتلخص في تلك الرغبة الجامحة لدى بعض المسلمين بشكل جلي، و لدى أغلبهم بشكل خفي في استعادة ذلك الماضي "المجيد" للإسلام ؛ على أساس أن في تلك الاستعادة يكمن حل كل المشكلات المختلفة التي تتخبط فيها المجتمعات الإسلامية المعاصرة. ويظهر ذلك تحت شعارات و تسميات مختلفة لكن المضمون واحد: "الإسلام هو الحل" ،" خلافة على منهاج النبوة"،"خلافة واحدة لأمة واحدة"...والغريب أنها تصدر عن تنظيمات إسلامية متعددة المشارب تمتد من الإخوان المسلمين ، إلى "داعش" مرورا بحزب التحرير الإسلامي و تنظيم "القاعدة"...كما يمكن أن تصدر عن أي مسلم عادي تلتقيه في الشارع.

إن المجال هنا ليس لخوض نقاش على المستوى الديني أو الفقهي، بل للتساؤل بما يقتضيه المنطق و الحس السليم، و بالتالي طرح سؤال من طبيعة سوسيو- تاريخية: هل عرف الإسلام بالفعل ماضيا "ذهبيا"، تجسدت فيه المثل الإسلامية قولا وفعلا، نصا و تطبيقا، نظراً و واقعاَ ، حتى تتأجج هذه الرغبة الجامحة لاستعادته و لو بإسالة أنهار من الدماء؟.

بالعودة للمصادر الإسلامية التاريخية ،أي تلك التي كتبها المسلمون أنفسهم عن تاريخ إسلامهم، يجد العقل الحصيف صعوبات جمة في استخراج "ما هو ذهبي" في تلك العصور، حتى تلك التي تعتبر عصورا مرجعية و تأسيسية.

بمعنى أنه حتى لو تجاوزنا عصور الإسلام المختلفة ردا على قول قائل بأن الإسلام فيها شابته شوائب كثيرة أفقدته طهارته ونقاوته الأولى، و حصرنا التركيز فقط على عصر "صدر الإسلام" باعتباره عصر الوحي و النبوة، عصر الرسول و الصحابة المبشرين بالجنة... فسنجد أنه كان زمنا مليئا بالأحداث و الوقائع التي تجعلنا أمام بشر مثل سائر البشر في سلوكياتهم و تصرفاتهم، فهم يحلمون و يتطلعون، يحبون و يكرهون، يُضمرون ويُظهرون، يعشقون و يحقدون، يتعاونون و يتآمرون، يرحمون و يقتلون...

لقد كانوا بشرا مثل سائر البشر في مشاعرهم و أحاسيسهم، في غرائزهم و ميولاتهم، في دفاعهم عن المصالح و السير وراء فرص...فالرسول نفسه جسد في تصرفاته مثل الحق و الخير و الرحمة حينا، كما ارتكبت تحت أنظاره فظائع و مذابح في أحيان أخرى؛ كما أن بعضا من قراراته السياسية و العسكرية لم تكن محل إجماع و تأييد من صحابته أنفسهم مثل تعيين أسامة بن زيد على رأس جيش للمسلمين وهو ابن الثامنة عشر من عمره، مما ترك غصة في حلق عدد كبير من صحابته كانوا يرون أنهم أحق وأجدر.

أما وفاته فقد كانت إيذانا بانفجار الصراعات بين صحابته و طفو تناقضاتهم على السطح بهدف التمكن من السلطة والثروة لهم و لأقربائهم، و الوقائع والشواهد على ذلك كثيرة، يكفي أن نذكر أنه لم يحدث في أية لحظة من اللحظات أن تحقق إجماع تام من المسلمين الأوائل على بيعة خلفائه الراشدين الأربعة، و الحاصل أن ثلاثة منهم ماتوا قتلاُ (عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب )، و رابع منهم تحوم حوله شبهة تسميمه ( أبو بكر الصديق)، وفي إحدى المعارك بين مسلمين هدمت الكعبة تحت ضربات المنجنيق...

و هذا أن كان يعني شيئا، فإنه يعني أن مبادئ و مُثل النص الديني الإسلامي لم تكن لها الأولوية آنذاك، و أنها لم تكن تحكم سلوكات المسلمين الأوائل؛ بقدر ما حكمهم "الواقع" بتعقيداته و تحدياته وما يطرحه من إمكانيات لتحقيق المصالح و الأهداف.

بكلمة واحدة لقد كان المسلمون الأوائل أبناء بيئتهم و عصرهم و ثقافتهم، لذلك لا ينبغي مؤاخذتهم على ما فعلوا بمقاييس عصرنا الحالي، كما لا ينبغي جعلهم "نماذج مثالية" تُحتذى فيزمننا الحاضر.

غير أنه رغم هذه البداهة المنطقية و الحجة التاريخية، يحدث أن يأتي شاب غر في القرن الحادي و العشرين، قاتلا ومفجرا وسافكا لدماء المسلمين وغير المسلمين تحت تأثير وهم بناء "المجتمع المسلم الكامل" كما حدث في القرن السابع الميلادي. فهذا الشاب تحت ضغط مشاكله الحياتية، وفشل العملية الإنمائية في بلده على جميع الأصعدة، و ضعف أدواته المعرفية و الإدراكية يسقط تحت ضربات " مطرقة" خطاب يصور له تلك "اللحظة التأسيسية" للإسلام كلحظة ذهبية مجيدة كاملة و مكتملة، تصرف فيها المسلمون الأوائل كملائكة و قديسين، وتحقق فيها كل الخير والحق، كل المحبة و الرحمة، كل العدل و المساواة...و أن الحل لكل المشكلات الراهنة هو في إعادة إنتاجها من جديد، و لو تطلب الأمر سفك دماء و إزهاق الأرواح.

بينما واقع الحال يقول أن تلك "اللحظة الذهبية" للإسلام لم توجد أصلا "باعتراف" المؤرخين المسلمين الأوائل أنفسهم في سردياتهم التاريخية.

إذن نتساءل ، كيف يمكن إعادة إنتاج لحظة تاريخية معينة لم توجد أصلا؟ . و حتى إذا ذهبنا أبعد، و افترضنا جدلا أنها وجدت، فكيف السبيل إلى إعادة تكرارها بحذافيرها في سياق زمن تاريخي مختلف تماما؟ علماُ بأن التاريخ لا يعيد نفسه، و لا يكرر نفسه، وحتى إذا حدث ذلك فإنه – كما يقول فلاسفة التاريخ- سيكون على شكل "كوميديا" سخيفة أو "تراجيديا" أسخف.





عن هيئة تحرير الموقع