هناك "لعنة " ما زالت تطارد الإنسان المسلم منذ أربعة عشر قرنا، تجعله "مستعدا " بهذا القدر أو ذاك لممارسة العنف الفردي أو الجماعي على الآخر المختلف ، و استمرارها طوال هذه القرون مرتبط إلى حد كبير ببدايات دينه، مما يدفعنا لنعتها ب"لعنة البدايات ". كيف ذلك؟

في ديانات كثيرة، و الإبراهيمية منها بالخصوص، نجد باستمرار تلك الدعوة للعودة للأصول، للمنبع الصافي لمبادئها على أساس أنه تم الابتعاد عنها شيئا فشيئا،و هي دعوة تتقوى أو تضعف حسب الظروف الاجتماعية العامة. أي أنه ثمة حضور دائم ومستمر للنزعة " الأرثوذوكسية" في تلك الديانات.

غير أن المشكلة لا تكمن في وجود هذا النزوع "الأرثوذوكسي" بحد ذاته، بل في الوسائل المعتمدة لتحقيق مبتغاه؛ فعند ديانات معينة تكمن هذه الوسائل في الدعوة، استعمال الخطاب و المناظرة، الجدال و المحاجة، الإقناع و الاقتناع...مخاطبة العقل و القلب و الوجدان. و في ديانات أخرى كالإسلام قد يتم اللجوء إلى ما سبق من أساليب، كما إلى أساليب عنيفة لفرض مبادئه العقائدية، أو تنقيتها من ما يعتبر هرطقيات و انحرافات.

ففي المجتمعات الإسلامية ظهر و يظهر دائما متشددون و متعصبون للدين الإسلامي، يدعون إلى ضرورة تجاوز استعمال الكلمة . القول. الخطاب. وتبني الفعل العنيف الإرهابي المروع اتجاه الآخر غير المستجيب وغير الموافق على دعاويهم. أو الآخر المختلف ببساطة.

هناك من يرجع هذه الإمكانية التي يتيحها الإسلام ، إمكانية استعمال الكلمة و السيف، القول و القنبلة، إلى النص المؤسس لهذا الدين ، و ما يحتويه من منطوق و مضامين تحض على " العنف المقدس" الذي يصطلح عليه إسلاميا بالجهاد.

و هناك من يرجع هذه الإمكانية إلى الكيفية التي يتم بها تأويل ذلك النص المؤسس و فهمه و استيعابه ،حيث يصبح مضمون هذا الفهم وراء تبني ممارسة "العنف المقدس" من عدمه.

غير أنه تجدر الإشارة ، إلى كون العنف باسم الله في الإسلام لا يتعلق فقط بنصوص مقدسة و سطوتها؛ بل يتعلق أكثر ببداياته و الكيفية التي انغرس بها في كيانات اجتماعية قائمة. هذا الانغراس تم بهذا القدر أو ذاك من ممارسة العنف ، فالنبي حمل السيف، قام بغزوات و حروب، كان فيها قتل وسبي، غنائم و استيلاء على ممتلكات و أراضي....

جاء في إحدى الوثائق السريانية تعود إلى القرن السابع الميلادي، بأنه لما بلغ إلى علم أحد كبار رجال الدين المسيحيين بالشام خبر النبي الجديد ، نبي الإسلام بجزيرة العرب و ما يقوم به من غزوات وحروب لنشر دينه، علق قائلا:" و لكن الأنبياء لا يحملون السيوف". غير أننا أمام نبي حمل السيف. هذا واقع. و الواقع لا يرتفع.

قد يتم تبرير ذلك بضرورات البقاء و الاستمرار و الإكراهات التي واجهتها الدعوة الإسلامية في تلك الفترة التاريخية في حد ذاتها؛ غير أن الإرهاب الإسلامي المعاصر يجد في حمل النبي للسيف القدوة وشرعية الفعل. إذا كان النبي- و هو "المسلم الحقيقي الأول"- قد استعمل السيف، فما الذي سيمنع كل شخص يريد أن يكون " مسلما حقيقيا" من استعمال القنابل و الأحزمة الناسفة و البنادق...ضد الآخر المختلف؟

هنا تكمن "لعنة البدايات"، لأنه في أحيان كثيرة، بداية أمر ما تحكم صيرورته و مآلاته، حيث يمكن اعتبار "الإرهاب الإسلامي" ما هو إلا أحد تمظهرات "لعنة البدايات".لعنة استعمال السيف، ماذا لو لم يستعمل النبي السيف في مواجهة المخالفين و هو القدوة و الأسوة الحسنة لدى المسلمين؟

في ديانات أخرى قريبة من الإسلام كالمسيحية مثلا، تم ممارسة العنف المقدس باسمها في فترات تاريخية كثيرة ( العهد المسيحي من الإمبراطورية الرومانية و المملكات الأوربية المسيحية في القرون الوسطى ضد الهراطقة، فترة الحروب الصليبية ضد المسلمين، "التمسيح" القسري للشعوب الأصلية مع التوسع الاستعماري في قارات أمريكا و إفريقيا، اضطهاد اليهود....) ،إلا أنه ثمة إمكانية لنزع و امتصاص جرعة العنف من هذه الديانة لوجود عنصر داعم يتلخص في كون يسوع بن مريم لم يحمل السيف يوما ؛ بينما نفتقد مثل هذا العنصر في اللحظات التأسيسية للإسلام، لأن الوقائع التاريخية كما يرويها المؤرخون المسلمون أنفسهم تشير إلى تبني الجهاد كوسيلة أساسية لنشر الإسلام.حتى أن بعضا من من المتشددين الإسلاميين المعاصرين اعتبروا الجهاد تلك " الفريضة الغائبة" الواجبة على " المسلم الحق".أي لا يكتمل إسلام الشخص إلا بتبنيها قولا وتطبيقها فعلا.

لهذا فالمطلوب ليس فقط إعادة قراءة النصوص الدينية الإسلامية قراءة جديدة معاصرة، بل أيضا العمل على تغيير منظور المسلمين لتلك المرحلة التأسيسية أي لبدايات الإسلام وكيفيات انتشاره ؛ واعتبار العنف المقدس الذي مورس تحت اسم الجهاد يرجع لظروف تاريخية خاصة بتلك الحقبة. بمعنى أنها لحظة تاريخية لها خصوصيتها الزمنية، و المكانية، والسوسيو-ثقافية، لا يمكن تكرارها و إعادة إنتاجها في الفترة المعاصرة . فمثلما لا يتم تفضيل ركوب البعير على السيارة ، أو قبول الرق و أسواق النخاسة... في المجتمع العصري، ينبغي الرفض المبدئي للعنف المقدس المسمى جهاداً لأنه اقترن بظروف وحيثيات معينة . ينبغي على المسلم المعاصر أن يستدخل في ذهنه مبدأ بسيطا وهو: الدين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون ضد الحياة. الحق في الحياة.

كما ينبغي عليه إدراك أن معارك اليوم تخاض على مستويات أخرى مختلفة : الفكر و الثقافة، المعرفة و الاكتشاف، الاقتصاد و التكنولوجيا، التنمية و التقدم... بكلمة واحدة كل ما يمنح قيمة مضافة للإنسانية ويضمن تحسينا لشروط الوجود الإنساني.

فشتان الفرق بين "إرهابي " نكرة يدعو نفسه " أبو إكس " يطفئ نور الحياة الإنسانية ، و عالم جليل ك"فليمينغ" مكتشف "البينيسيلين" الذي يحميها و يجعلها تشع و تستمر.



عن هيئة تحرير الموقع