ظهور واستشراء الفعل الإرهابي المنسوب إلى الدين لم ينتج فقط دماء وترويعا للناس وإساءة إلى الدين نفسه، بل إنه ترك وراءه وحوله ضبابا كثيفا من المفاهيم والتصورات الماكرة كالقول بأن الإرهاب لا دين له ونسبته للمعتوهين وعابري الثقافات (أو اصطلح عليه بنينجات الإسلام) والمرضى النفسيين...

من آليات التعتيم على الإرهاب المنسوب للدين تقديمه كإيديولوجيا وكسياسة واقتصاد واجتماع... للتعتيم على جوهره الفكري كمعتقدات صلبة لدى فئات واسعة من المجتمعات العربية والإسلامية، وكذا المهاجرين في الدول الغربية.

معتقدات صلبة قوامها اليقينية والوثوقية والتفرد بفهم الحقيقة وبامتلاك صوابها دينا ودنيا، وبالامتياز بالاصطفاء الإلهي... وهي بالتأكيد يقينيات تنحدر وتتدحرج منذ آلاف السنين أفكارا وطقوسا من معتقدات وأديان سالفة الزرادشتيه - اليهودية - المسيحية، ومن ثقافات الشرقين الأدنى والأقصى، ومن ميتولوجيات عابرة للثقافات، يقينيات زادها القدم صلابة ومتانة وقدرة على اختراق الأزمنة والأمكنة والأدمغة.

وقد زاد صلابتها وأكسبها قدرة على المواجهة وجود متلقييها في وضعية دونية هشة نتيجة التنافس الحضاري الذي جعلهم في أسفل الدرك الحضاري، وحولها إلى أسلحة دفاعية وهجومية راجمة.

وثالثة الأثافي هي التعتيم المعاصر الملازم لتداولية الفعل الإرهابي نفسه، حيث يتم التركيز في تقديمه على الاهتمام بالدماء والأدوات وكيفيات تنفيذ الفعل، وعلى دمويته وحدته ولا رحمته، وعلى النوايا والخطط السياسية والمؤامراتية المحيطة به، مع إغفال (مقصود أم غير مقصود) للدلالات والرسائل الفكرية المؤطرة له.

يقتضي الأمر عدم الاقتصار على إبراز أفعال الإرهاب المنسوب للدين كالقتل والذبح والسلخ والإحراق ونهب الأموال والأعراض، بل النفاذ إلى أعماق خطابه ورسالته، أي خلفياته الفكرية.

الإرهاب الديني يضمر رسالة فكرية قوامها أننا نرفض حياتكم المعاصرة وقيمكم ونظمكم السياسية والأخلاقية لأنها كلها لادينية أو علمانية أو إلحادية أو غريبة في أساسها وفي كل جوانبها. نرفض العالم المعاصر غربي الأساس، الذي دبره الغرب الملحد والصهيونية والماسونية وكل قوى الشر المتحدة خلفه، والتي يفرضونها تحت شعارات الحداثة والتقدم والتطور والحرية والحق.

وبذلك فإن الخطاب الضمني المرافق للفعل الإرهابي الإسلامي هو خطاب رفض العالم الحديث والقيم والحريات والحقوق الحديثة وصورة العالم الحديث... ومنطق العالم الحديث.

فالمبني يجب ألا يغيب المعنى.

فالتركيز عمدا على الأدوات والتقنيات والأضرار، وعلى الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يضمر عملية إخفاء وتستر على المضمون الفكري والإيديولوجي والميتافيزيقي المصاحب للحركية الإرهابية لأنه مضمون صادم وعميق الدلالة لأنه يشير إلى سياسة دينية انتهجها العرب والمسلمون منذ مطلع القرن العشرين بزيادة واضحة لبعض الكيانات السياسية والتيارات المذهبية القائلة بأن سبب تأخر المسلمين هو ابتعادهم عن الدين وانفصالهم عن تراثهم الفكري بوعي أو بغير وعي وارتماؤهم في أحضان الأجنبي الغربي استتباعا وتقليدا، وأن الحل هو العودة إلى "السلف الصالح" وإلى بيضة الدين الدافئة ومحجته التي لا يزيغ عنها إلا هالك.

هذا الوعي "الإصلاحي" الذي جسدته التيارات الحنبلية المتدفقة من الماضي (الحركات الإسلامية في باكستان، والوهابية والإخوانية والسلفية الجهادية بمختلف تلاوينها السياسية) يقوم على فرضية أن الماضي أحسن من الحاضر ومن المستقبل، وأن المسلمين السابقين (عامة وخاصة) هم أحسن من مسلمي اليوم من حيث استيعابهم للإسلام وانشراطهم به، وبالتالي فهؤلاء هم النموذج الأمثل.

لكن ما يغيب عن المتطرفين والغلاة والتكفيريين وكل من لهم رؤية معكوسة للتاريخ الإسلامي، وخاصة عندما يتبنون التكفير والإرهاب ومستتبعاته من تعذيب وترويع وحرمان للأرزاق وإعدام... تغيب عنهم مسلمة أساسية وهي أنهم يسيئون لصورة الله باعتباره موردا للأمل وللخير والعدل والرحمة... ولكل القيم المتلاشية في هذا العالم الأرضي وتلك أكبر إساءة للصورة التي كونتها البشرية عن الله والتي اختطفوها وسودوها براياتهم السوداء.



عن هيئة تحرير الموقع