من بين القضايا الاشكالية التي برزت في الآونة الأخيرة، مسألة الولاء للوطن أم الولاء للأمة. ولعل إثارة هذا الإشكال، إنما يندرج في سياق التحولات التي عرفتها العديد من المجتمعات، وخصوصا فئاته الشابة.  وقد بدأنا نسمع ونشاهد ونعاين حالات من الشباب المسلم ممن أصبحوا  ينشدون العيش في كيانات وتجمعات مفصولة عن مواطنهم الأصلية، بعيدة عن مواقعهم الجغرافية، بدعوى أن هذه الأوطان بعيدة "عن شرع الله" وخارج "عن دائرة الأمة" وعن "بيضة الاسلام".

وقد يكون الشاب أو الشابة يعيش في المغرب أو تونس أو الجزائر أو في مصر أو في فرنسا أو في بلجيكا أو إسبانا أو غيرها من الدول والقوميات، وهو يتمتع بقدر قد يقل أو يكبر من الحقوق والمكتسبات، لكنه مع ذلك يفكر في "الهجرة" من هذه الدول، بدعوى أنها ليست "أرض الاسلام" أو "أرض الحياء والحشمة" أو أرض "الايمان والهداية". لأنها في نظره وفي نظرهم هي بلاد "الكفر" "والخرج عن الملة" وبلاد "الفسق والفجور".

ولعل هذا التفكير الخطير يبدأ في التسلل إلى وعيه وإلى لا وعيه انطلاقا مما يسمعه ويشاهده من دعوات وخطب وعظات "للمشايخ "الذين يقسمون العالم إلى قسمين: بلاد "الكفر" وبلاد "الايمان". فالأولى هي كل البلاد التي لا تطبق "شرع الله" ولا تعمل بهادية القرآن" (ومن لم يحكم بما أزل الله فأولئك هم الفاسقون) وفي آية أخرى "هم الكافرون". ويجدون من الأدلة التي تدعم فكرتهم،  بالحديث عن أماكن التي تروج فيها الخمور والرقص والدعارة، فالحانات والفنادق والشواطئ والنوادي والمسارح وفي قاعات السينما وفي الاعلام، بل وحتى في الفضاء العام. فكل من امرأة أو رجل او شاب أو شابة تزينت أو تجملت وخرجت إلى الشارع فهي "خارجة عن دين الله" وكل شاب ورجل سمع الآذان ولم يستجب للنداء فهو "كافر" وفي أحسن الأحوال فهو "فاسق".  وكل شاب ولج إلى ملهى ليلي او مرقص فهو "ضال" ويعيش في حياة "الرذيلة".

أما السياح الذين يقصدون المناطق السياحية في المنطقة العربية والشرق أوسطية، ويتمتعون بجمال الطبيعة وبسحرها وبشواطئها الجميلة، فإنهم يأتون بهدف نشر الرذيلة والفجور والفسوق في أوساط المسلمين والشباب خاصة، خصوصا إذا ما كانوا يرتدون ملابس شفافة وقصيرة وتبرز مفاتن المرأة، فإن ذلك يعد "خطيئة كبرى". ولهذا يتم تصوير هذه المجتمعات –على الرغم من كونها تدين بالاسلام وللاسلام- بأنها بلدان لا تصلح لكي يعيش فيها المؤمن القابض على دينه كما يقبض المسلم على الجمر. ولهذا فإن هؤلاء "الدعاة" "والمشايخ لا يترددون في إصدار الفتاوى تلو الفتاوى التي تحرم هذه التجمعات وهذه الأوطان ولو كانت مسلمة، ويبدؤون في تحريض الشباب على الكفر بها والولاء إلى الأمة. بيد أن السؤال الذي يطرح في هذا السياق، هل الامة كيان جغرافي متعين ومتحيز أم أنه كيان افتراضي ومتخيل ليس إلا؟ وما الفرق بين الولاء للوطن والولاء للأمة؟ وهل الولاء للوطن هو خروج عن الملة؟ أو على الأقل هو "انحراف" عن الصواب؟

هذه الأسئلة هي التي سنحاول الإجابة عنها في الفقرات الموالية.في الحقيقة إن كيان الأمة، ككيان متخيل وغير متحيز (أي غير موجود في مكان معين)، هو تحريف لمجموعة من الحوادث التاريخية التي كانت تتحدث عن كون الامة هي التي تقيم عقيدتها على الولاء لله وللرسول أينما كان المسلمون، وحيثما تواجدوا، سواء في البلاد المسلمة أو غيرها. هذا مع وجود بعض الآراء التي ترى أن الأمة المسلمة توجد اليوم في المملكة العربية السعودية، لأنها أرض الرسالة الاسلامية، وبلاد الحرمين، ولانها تعيش تحت "راية الإسلام" لأنها "تطبق" شرع الله وتحترم الشعائر الدينية ولا تجد فيها مجالا –حسب ما يبدو لهؤلاء- مكانا للفسق والفجور واللهو واللعب والميسر والأزلام والخمور وما إلى ذلك. غنها حسب البعض "الارض الطيبة". لذلك ترى الكثير من الشباب المغرر بهم يحلمون بزيارتها لأنها أرض "أحفاد الصحابة" وهم "خير القرون" وهم أكثر "التصاقا بالرسول الأكرم، وبأخلاقه وبسنته وبهديه الشريف. ولعل في ذلك ما يجعنا لا نستغرب من كون العديد من الشباب اليوم، يقيمون شعائرهم وطقوسهم "الصوم" مثلا، مع المملكة العربية السعودية، رغم أنهم يعيشون في المغرب او تونس أو الجزائر أو في فرنسا أو ألمانيا أو بلجيكا أو اسبانبا. إنه نوع من الاغتراب الجديد الذي بدأ يهمين على عقول ووجدان الشباب المسلم والعالمي اليوم.

والأكثر من ذلك، ان هذه الأمة المتخيلة أو حتى الواقعية، تسوق على انها المكان المقدس وتاريخها هو التاريخ الوحيد، وأنها الكيان الذي يستحق من الشباب اليوم كل التقديس والولاء والانتماء، وما عاداه فهو "مدنس" ولا يستحق  أي ولاء كيفما كان.

وإذا كانت هذه الخلاصة الخطيرة التي تستقر في أذهان الكثيرين من الشباب بصفة عامة والفئات الأخرى، بشكل خاص، فإن ذلك ما يقفز عن مجموعة من الحقائق التي نوردها كالأتي:

1- إن الوطن الذي يعيش فيه الشاب، سواء كان وطنا يدين بالاسلام (كالبلاد العربية والإسلامية) أو كان وطنا لا يدين بهذا الدين لكنه في النهاية يتسع لكل الناس، بدليل انه يوفر لهم مجموعة من الخدمات والبنيات وظروف العيش والاستقرار –سواء كانت محدودة او كبيرة- فإن ذلك لا يعني أن نتنكر لهذا الوطن وان نستبدل ولاءه بولاء للأمة المتخيلة أو المتحيزة.

2- إن حب الأوطان من الايمان، كما يقال، وهذا يعني أن ايمان المرء لا يكتمل ولا يكون على الوجه الصحيح إلا إذا دان بولائه لهذا الوطن سواء كان في المغرب او فرنسا أو وأمريكا او غيرها، لأن من حسن إسلام المرء الاعتراف بأحقية من يحسنون إليه، وهم بدون شك القائمون على مختلف الخدمات (الطرقية والتعليمية والاستشفائية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية...). وأهمها في الأمر هو القيام بواجبات المواطنة على الوجه الاكمل، لأنه لا يمكن أن تكون هناك حقوق بدون أن يقابلها واجبات. وقد يعترض علينا معترض، بالقول إن العديد من الدول التي ذكرناها، لا تحقق للمواطنين أبسط حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية والخدماتية، وهو كلام صحيح، لكن أن نستبدل ولاء الوطن بولاء زائف هو الخطأ الأكبر. فإذا كنت أيها الشاب أيتها  الشابة تعاين خللا ما ضعفا في بعض الخدمات والحقوق فذلك لا يعني أن نبيع الوطن مقابل الأمة المتخيلة، بل وجب العمل على تغيير في إطار المؤسسات الجمعوية والحزبية والنقابية والعلمية والإعلامية ما يمكن تغييره، فمسيرة الألف ميل تبدأ بالميل الواحد كما يقال. ولنا بدعا عن العديد من الدول والأوطان التي كانت في وضعية أقل منا لكنها الآن تتربع على عرش الكرامة الاجتماعية للمواطنين، ولم يكن ذلك بالأمر الهين، سوى بتظافر جهود وتضحيات كل الفئات وعلى رأسها الفئة الشابة، لأنها الأقدر على تحقيق التغيير.

3- ما معنى ان نستبدل ولاء الوطن بولاء الامة، بسبب وجود الأولى في بعض المظاهر التي يعتقد انها "مخلة" و"مخالفة" لشرع الله؟ هذه المسألة تحتاج منا توضيح، لأن فيها حق أريد به باطل. نعلم أن الأوطان هي مكان لتعدد الثقافات والديانات والعرقيات والاثنيات  وغيرها، وهي وإن كانت أوطانا مسلمة، فإنها اليوم تعيش على وقع العولمة بما يعنيه من تمازج وتخلاط وتعايش. وهو أمر لا مر منه، ولا يمكن تصور مجتمعات معزولة تعيش في "كيتوهات" ضيقة.  هذا ما بالك بالأوطان غير المسلمة والتي لا تدين بدين الاسلام، كالدول الأوربية والأمريكية وغيرها، فهي في الأصل تقيم ولاءاتها على العقد الاجتماعي الذي يتم فيه الولاء لقيم المواطنة ولا شيء يعلو فوق صوتها، (الوطن للجميع والدين لله) وهذه المقولة تعكس فلسفة في الوجود جد مهمة، إذا استوعبها الشاب والشابة اليوم، يمكن ان نحقق قفزة في مواجهة الفكر المتصلب والمتطرف والعنيف. لأنه لا يمكن ان نلزم الناس بدين واحد او يقيم واحدة. وهذا كلام الله الذي لا زال يخاطبنا به في القرآن الكريم، يقول "أفأنت تكره الناس أن يكونوا مؤمنين" فلا يمكن أن نكره الناس على الايمان كا اننا لا يمكن أن نكرههم على الكفر. فالدين لله وهو يعني "من شاء فليؤمن ومن شاء فيكفر" ومراد ذلك أنك أيها الشاب أيتها الشابة، عندما تتواجد في" باريز" أو  "فيينا" أو مدريد" أو بروكسيل" أو الرباط" او القاهرة" أو الجزائر أو تونس، وترى مواطنين يذهبون إلى الحانات أو إلى المراقص أو المساجد او المسارح أو الملاعب أو الجامعات، فذلك يدخل في باب حرياتهم الشخصية والفردية والتي لا تلزم أحدا. فكما أنك تحب أن تذهب إلى المسجد أو الجامع لأداء طقوسك اليومية او الاسبوعية أو السنوية، فإنه بالمثل لا يمكن ان نستنكر عمن يحب أن يذهب إلى المراقص والملاهي الليلية والحانات ليتمتع بحظه من السعادة. فأنت تجد سعادتك في صلواتك وهو يجد سعادته ف معانقة الفتيات وشرب الخمر؟

4- وكون أنك تستنكر عليه، فذلك مما يعد تجنيا على حقوقه، التي تكفلها له المواطنة والوطن والقوانين والاعراف.  و لذلك لا يعني أنك تعيش في بلد أو وطن تتعدد فيه الرغبات والتوجهات واختلاف المشارب، انك ستفكر في الهجرة وهجرانه، فذلك مما يعد خرقا لقيم المواطنة التي أنت جزء منها. والمسألة الثانية، وهو انه "لا تزر وازرة وزر أخرى" بمعنى أنك ايها الشاب ايتها الشابة، إذا كنت  تعيش في وطن يوفر لك جزء من حقوقك ويضمن لك ولك قدرا من حرياتك الشخصية والفردية بل وحتى الجماعية، فهذا لا يعني أنك تتحول إلى متنكر لها وللآخرين، بدعوى انك تريد الإصلاح، أو انك تريد أن تخرجهم من "الضلالة" أو من "الرذيلة" أو أن تفكر في الهجرة او أشكال أخرى من العنف ضدهم وضد حرياتهم، لانهم يخالفونك في عقائدك وطقوسك. إن أهم درس وجب أن نتعلمه ونعمل على تملكه في وقتنا المعاصر: أن الوطن للجميع والدين لله.



عن هيئة تحرير الموقع