هل يوجد نص ديني إسلامي يمكن أن تكون له انعكاسات - في حال تطبيق أحكامه إذا ما توفرت سبل القوة و القدرة- على شكل توزيع و انتشار الأديان على مستوى العالم ككل؟

الجواب هو نعم. وسورة التوبة في القرآن نموذج لذلك النص، لوضوح منطوقها وأحكامها، بحيث أن هامش التأويل و تعدد القراءات بخصوصها هو ضيق جدا. و بعيدا عن أية قراءة لها من منظور المفسرين و الفقهاء، سنحاول هنا أن نقرأها من منظور جغرافي، و بالضبط من منظور جغرافيا الأديان -la géographie des religions- لنرى بعضا من الانعكاسات و الآثار في حالة تطبيق أحكامها.

لابد من الإشارة في البداية، أن جغرافيا الأديان باعتبارها فرعا من فروع علم الجغرافيا العام تدرس و ترصد المساحات المجالية التي تتوزع و تنتشر عليها أديان العالم. و هذه الجغرافيا تقسم بشكل عام الأديان الموجودة حاليا إلى أديان كونية –les religions universelles – تتوجه للإنسان في كل مكان و زمان، مثل المسيحية، الإسلام، البوذية. و ديانات إثنية أو تقليدية –ou traditionnelles les religions ethniques- و تتوجه إلى مجموعة محددة من البشر تنتمي لعرق معين، ثقافة معينة... كاليهودية، الديانات التقليدية لقبائل و مجموعات بشرية في إفريقيا و أستراليا...

و إذا اعتمدنا على أبسط خرائط جغرافيا الأديان، نجدها تقسم العالم بين الأديان التالية:

المسيحية ( بمذاهبها المختلفة): تنتشر في كامل القارة الأوربية ، في القارة الأمريكية بشمالها و جنوبها، تقريبا ثلث آسيا، تقريبا ثلث إفريقيا، و ثلثي أستراليا.

الإسلام (بمذاهبه المختلفة): ينتشر في ما يقارب نصف إفريقيا، ثلث آسيا بين وسطها و غربها و في أجزاء من شرقها، و أجزاء من أوربا.

اليهودية: في فلسطين التاريخية (غرب آسيا).

الديانات الشرقية ( هندوسية، بوذية، طاوية، شنتوية...): تنتشر في الثلث المتبقي من آسيا، في الهند، الصين، الهند الصينية، اليابان...

الديانات التقليدية (محلية أو إثنية ) : تنتشر في أجزاء كبيرة من إفريقيا و أمريكا الجنوبية و الوسطى، أجزاء من أستراليا، و في سيبيريا الآسيوية...

هذا بدون أن ننسى الإشارة إلى وجود أعداد كبيرة من أناس في أنحاء مختلفة من العالم لا يدينون بأي دين؛ و كذلك أقليات دينية هنا وهناك تتعايش بهذا القدر أو ذاك من التناغم مع الأكثرية الدينية مثل المسلمين و اليهود و البوذيين... المتواجدون في أوربا و أمريكا مثلا.

إننا إذن أمام عالم متعدد و متنوع الأديان، و التي يتجاوز عددها 3000 ديانة و معتقد ديني وفق أغلب الإحصائيات المهتمة بهذا الشأن. و لا شك أن ذلك يغني و يثري الحضارة الإنسانية في جوانبها المختلفة.

غير أنه هناك من الديانات من ترى في نفسها أفضلية ما على الباقي، من تعتبر نفسها الدين الحق.الأكمل.الضامن للخلاص في الدنيا و ما بعد الدنيا، و منها الديانة الإسلامية . ففي النص المؤسس لهذه الديانة أي القرآن، نجد سورة تعبر بوضوح عن "حق "الإسلام في السيادة على شعوب العالم ولو اقتضى الأمر استعمال العنف تحت مسمى الجهاد. هذه السورة هي سورة التوبة. لذلك لا غرابة أن تغيب "البسملة" عنها لنقص جرعة الرحمة و التسامح في ثناياها، أو تسمى إحدى آياتها بآية "السيف".

لن نخوض كثيرا في أسباب نزولها، و في كونها – حسب جل المفسرين- آخر سورة نزلت، بمعنى انتفاء و انعدام إخضاعها لمنهجية الناسخ والمنسوخ، أي أن أحكامها قطعية و نهائية، على "المسلم الحقيقي" العمل بها.بل سنخوض في ما ستصبح عليه خريطة الأديان في حالة تطبيق أحكامها.

وبما أنها سورة تحدد بوضوح للمسلمين أولئك الذين ينبغي التبرؤ منهم، والذين ينبغي موالاتهم أو ما يسميه المتشددون من الفقهاء بمبدأ البراء و الولاء؛ و نتصور مثلا أن الجهاديين و المتشددين من المسلمين امتلكوا ( بصدفة ما) قوة ما، سلاحا ما يمكنهم من تركيع و إخضاع شعوب العالم لإرادتهم و تصورهم الديني، كيف ستبدو جغرافيا العالم الدينية؟

قياسا على السياق التاريخي الذي جاءت فيه هذه السورة، الذي تميز أساسا باشتداد عود المسلمين في القرن السابع الميلادي ،أي حين أصبحوا قادرين على الزحف على مكة كمركز "للكفر" في البداية، قبل" تطهير" جزيرة العرب من كل أتباع الديانات الأخرى (مسيحية، يهودية، مجوسية...) بصفة شبه نهائية أو كاملة فيما بعد. والأمر نفسه سيتكرر في القرن الحادي و العشرين 21 مع ممارسات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق و الشام ( داعش) من " ذبح" و تهجير للإزيديين و الشيعة و المسيحيين..... من المناطق التي سيطرت عليها. تلك الممارسات تجد تأصيلها الشرعي في سورة مثل "التوبة" . و إذا تكرر هذا " السيناريو" على مستوى العالم ككل، ففي أحسن الأحوال سيتحول البعض من سكانه عن دينهم الأصلي تقية تنفيذا ل" أسلم تسلم"، أو سيقبلون أداء الجزية " عن يد وهم صاغرون"؛ وفي أسوئها سترفض شعوب العالم كلا الأمرين، وعندئذ ستبدأ الإبادة المقدسة والاستعباد المقدس( استرقاق، ملك اليمين...). من الناحية الجغرافية سيمس ذلك كل سكان القارة الأمريكية و الأوربية و الأسترالية، ثلثي سكان آسيا و إفريقيا. هذا بدون تناسي كون ثلثي المسلمين أنفسهم ستتم إبادتهم على اعتبار أنهم شيعة روافض، منافقون متهربون من الجهاد و تاركون للصلاة و غير منفقين في سبيل الله و رسوله...الخ.

في النهاية لن يتبقى من البشرية العدد الكثير....و من تبقى من المسلمين سيتقاتلون ولا شك فيما بينهم على السلطة أو نتيجة لمزايدات سخيفة حول من هي " الفرقة الناجية" ومن يمتلك حقيقة النص القرآني.

و قد لا نكون فقط أمام نهاية لخريطة الأديان الحالية بألوانها الزاهية، المتعددة، المتنوعة و سيادة لون واحد أسود متشح بالسواد، بل قد تكون نهاية للبشرية في حد ذاتها لأنه، وببساطة، لا يمكن تجاوز قوانين التاريخ والطبيعة.

فالحضارات و الأمم التي ازدهرت في التاريخ هي تلك التي قبلت التعدد والغنى الثقافي و الديني. والحضارة الإسلامية نفسها عرفت أوجها في تلك اللحظات التي انفتحت فيها على الآخر الديني و الفكري والثقافي بدون تعالي و لا مركب نقص.

و حتى الطبيعة عندما تفقد تنوعها البيولوجي و الحيوي تتهدد استمرارية و ديمومة أنظمتها الإيكولوجية، وبالتالي استمرارية الحياة بأشكالها المختلفة.

إن عرض "سيناريو" الرعب المتخيل هذا، ما هو إلا دعوة للمسلمين بمختلف مكوناتهم ، من المثقف إلى رجل الدين الفقيه، من السياسي إلى الإعلامي، ومن المربي إلى الإنسان العادي، أن يستدخلوا في خطاطاتهم الذهنية و ممارساتهم السلوكية قبول المختلف و المتنوع و التعايش معه لأن في ذلك حياة وإبداع و سمو روحي؛ أما عكس ذلك فلن يجلب للبشرية سوى الموت و نعيق الغربان و لو كان باسم نصوص مقدسة.



عن هيئة تحرير الموقع