استأثر مفهوم الجهاد في الآونة الأخيرة بالعديد من  النقاشات والجدالات والمواقف المتضاربة والمتعارضة. وقد كان لا فتا في هذا السياق، أن يتم توظيفه بشكل سيء، من خلال التركيز على معاني الحرب والقتل والارهاب. ولعل الحقيقة الثاوية وراء هذه الفكرة، هو إلصاق مفهوم الجهاد بمطلب بناء "الدولة الاسلامية" المتخيلة في أذهان وعقول العديد من تيارات الاسلام السياسي، وتيارات الجهاديين. ولهذا يبرز مفهوم الجهاد، كأحد الوسائل لمقاومة تيار "الكفر" و"الكافرين"، ومن تم التمكين لقيم الاسلام والعدل والرحمة. وهو ما يجد تجليه في النص القرآني المشهور: "كتب عيلكم الجهاد وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" فكيف يمكن فهم هذا النقاش؟ وما تأثير ذلك على فئة الشباب؟ وأخيرا ما العمل إزاء هذه الاشكالية؟

ارتبط مفهوم الجهاد بالحرب على المخالفين خصوصا الذين كانوا يهاجمون الدين جماعة المسلمين في مرحلة الدعوة المحمدية الأولى، وقد سيقت حول هذا الموضوع العديد من الأساطير إلى درجة أن البعض أصبح يرى أن الاسلام مرادف لمفهوم الجهاد.

ولم يتوقف هذا الربط بين الاسلام والجهاد، نظرا لاندلاع  ما سمي "الحروب الصلبية" والتي عملت بدورها على إذكاء نعرة العداء بين المسلمين والنصارى، وبقي مترسخا في أذهان ووجدان العديد من المسلمين. وفي مرحلة متقدمة و معاصرة، برز مفهوم الجهاد، أثناء الاستعمار الذي عرفته العديد من المجتمعات الإسلامية، والتي استعملت هذا المفهوم لمواجهة "النصارى" "والمسيحيين" ممن غاروا على بلاد المسلمين.

ومن خلال هذا التراكم والترسبات العميقة، عمل التيار الجهادي المعاصر، على إحياء مفهوم الجهاد، باعتباره "فريضة إسلامية"، ولعل ذلك ما ينبئ على تحول خطير في الفكر والاعتقاد. إذ أن العمل على ربط مفهوم الجهاد، ببناء الدولة الاسلامية (الخلافة العثمانية) المفتقدة والمسلوبة سنة 1920، لهو الدليل على التحريف الذي طال مفهوم الجهاد. ويعمل هذا التيار منذ سنوات على تمرير فكرة أن الجهاد هو لب الدين، وبدونه لا يمكن الحديث عن اكتمال شرط الايمان والاسلام والولاء لله وللرسول، والبراء من الكفار والملحدين والعلمانيين. بيد أن السؤال الذي يطرح في هذا السياق: كيف استطاع التيار الجهادي، أن يقنع العديد من الشباب بفكرة الجهاد؟

هناك العديد من العوامل التي هيأت الظروف لتقبل مفهوم الجهاد، عند فئة الشباب، من طرف التيار الجهادي. من ذلك ضحالة الفكر عند غالبية الشباب المسلم اليوم، وغلبة القراءات الاختزالية والمعزولة عن السياق، والتي تريد أن ترسخ مقولة "أن الجهاد فريضة إسلامية"، ومن ثم وجب إحياؤها، وفي إحيائها، إحياء لنهج النبي. وهو استدلال خطير،  لأنه يقفز على العديد من المعطيات. فكون أن تتحدث عن الجهاد باعتباره فريضة، فهذا ما يدفع للتساؤل: من يقول بذلك؟ وما هي أدلته؟ وكيف يمكن أن نفهم ذلك، في ظل وجود فكرة التسامح والتعايش اللتين يؤمن بهما الاسلام؟

عندما يقول الجهاديون بفريضة الجهاد، إنما يستندون إلى حديث نبوي شريف، والذي يقول فيه الرسول: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن  لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام وحسابهم على الله تعالى". و هذا الحديث مستشكل في معناه، وقد وقف العديد من المفسرين عنده لتجلية فحواه ومضامينه. فهل يفهم من ذلك أن  الرسول كان متعطشا للدماء، وأنه كان يحرض على القتال؟ أم أن المعنى من ذلك، هو دفع الأذى والعدوان، لأن استعمال كلمة "أقاتل" بدل "أقتل" فيها من الدلالة الشيء الكثير، لأن الأولى تعني أنك تدافع عن نفسه، بينما الثانية، هي عدوان واعتداء. ثم ثانيا كيف يستقيم الحديث عن القتال لغرض الايمان بالله وبالرسول وتأدية الصلاة والزكاة، والنصوص القرآنية والحديثية، والتي تتحدث عن "لا إكراه في الدين" "أفأت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" "فمن شاء ليؤمن ومن شاء فيكفر" وغيرها من النصوص التي تدل دلالة قاطعة على أن الاسلام دين التسامح والتعايش والحرية وأنه دين يدعو إلى الحوار وكلمة سواء. (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن). إن هذه الآيات وغيرها، لتدل دلالة قاطعة أن الدين الاسلامي، إنما هو دين الرحمة والتسامح. لكن لماذا يظهر أن هناك تعارض في الآيات والأحاديث؟ ولماذا لا نجد تحديدا واحدا يستقر حوله المؤمنون؟

هذه أسئلة مشروعة وقد يطرحها أي شخص، لكن الذي وجب الانتباه إليه، أنه لا يوجد أي تعارض في حقيقة الأمر، لأن المعنى الأول الذي شرحناه في الحديث يدل على أن استعمال الرسول لكلمة "أقاتل" تدل على أنه يدفع العدوان على نفسه، وعلى دينه وعلى أمن المسلمين، بينما الآيات الأخرى، كلها تدل على أن الاسلام لا يستعمل العنف لمواجهة الآخرين، كيفما كانوا، ولا يستميل معتقدات الناس بطريقة عنفية وإرهابية، بل إنه يدعو إلى الحوار" تعالوا إلى كلمة سواء"  وإلى الاقرار بأن المسلمين ليسوا دائما على حق، وأنهم لا يمثلون الصواب الدائم والمطلق بدليل "إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين". بمعنى أن الآية تدل على نسبية الايمان والكفر أو الهدى والضلال، فمن الذي يستطيع أن يجزم بأن المسلمين على حق أو هدى؟ وبالمثل هل يستطيع أحد أن يجزم بأن المسيحين واليهود على ضلال أو هدى؟

إن أمر تكفير شخص أو مجتمع أو ديانة أخرى غير الاسلام، من أعقد المسائل في الفقه الاسلامي والتي لم يستقر الحسم فيها على اتجاه واحد، بدليل كل من يقول أنه مؤمن فهو آمن، وكل من يعتقد في الاله فهو مؤمن، وبالتالي يصعب تحديد من هو الكافر ومن هو الخارج عن دين الله.

بيد أن الذي جرى، هو استغلال مجموعة من الجهال للدين، والذين عملوا على تأويله بما يخدم مصالحهم المادية، وبالتالي التسويق لفكرة الجهاد المفترى عليه، بطريقة مغرضة وفيها تدليس كثير. بل الأخطر في الأمر، هو الربط بين الجهاد وإقامة "الدولة الاسلامية" المتخيلة. فأي دولة لا تطبق شرع الله، فهي خارجة عن دين الله، وبالتالي وجب محاربتها، وهذا لعمري أكبر بل وأخطر تجني عن الاسلام وسماحته ورحمته. (إنا أرسلناك رحمة للعالمين) ما معنى الرحمة للعالمين إذا لم تكن مقرونة بالاعتراف بالآخر، وعدم مصادرة أفكاره و معتقداته وقيمه؟

من خلال ما سبق، تبرز الحاجة القوية لكي يتعرف الشباب المسلم اليوم حقيقة الدعوى المغرضة من مفهوم الجهاد، ومن تأويلاته الخاطئة وغير الصحيحة، فالجهاد يعني جهاد النفس وجهاد الجشع والظلم والفساد والخوف والجبن والعجز، وليس جهاد الآمنين والمخالفين لعقائد المسلمين. لذلك عليك أيها الشاب أيتها الشابة، أن تحتاط من دعوات التضليل والضلال الحقيقي، وأن تقرأ عواقب الأمور، وإياك أن تتحول إلى وقود للحرب في أيدي من لا يعرفون حقيقة الاسلام وقيمه السمحة. وتأمل كيف استطاع المسلمون أن يمتلكوا قلوب الناس بالعدل والرحمة والمعاملة الحسنة والسلوك المتحضر، وليس باستعمال العنف والحرب والارهاب والدماء والاشلاء. (إن في ذلك لعبرة لأولى الألباب).



عن هيئة تحرير الموقع