ماهي العلاقة بين الإيديولوجيا التي تقف وراء الإرهاب باسم الإسلام و علم طبقات الأرض أو ما يسمى بالجيولوجيا؟

قد يسخر الكثيرون من هذا الربط ، لكن بتوسيع أفقنا الفكري سنجد أنه ثمة ارتباط . ارتباط وثيق جدا تولدت عنه تراجيديا الدم التي يعيشها حاليا العالم الإسلامي.

فلنتأمل هذه اللحظات الثلاث :

اللحظة الأولى: تعود إلى أزمان سحيقة جدا من تاريخ كوكب الأرض. تعود بنا تقريبا إلى ما بين 350 و 20 مليون سنة ، حين تكونت مادة طاقية أحفورية ناتجة عن تحلل و ترسب كائنات عضوية حية ، و تراكمها في أحواض ضخمة ، في قعر المحيطات و البحيرات و الدلتات ( جمع دلتا)، هذه المادة هي النفط. البترول. الذهب الأسود.

و مع عملية انزياح القارات و التي دامت ملايين السنين هي الأخرى، حدث أن انتشر أكثر من نصف أحواض النفط  المهمة على مستوى العالم في منطقة معينة و هي غرب آسيا ، و بالخصوص في جزيرة العرب و بلاد الرافدين.

فلنحتفظ بهذه المعطيات الجيولوجية إلى حين.

اللحظة الثانية:   ستعرف جزيرة العرب ظهور نبي اسمه محمد بن عبد الله في القرن السابع الميلادي ، أتى بدين جديد اسمه الإسلام يبشر أتباعه المسلمين  بخلاص في الدنيا و ما بعد الدنيا. و بعد وفاته اختلف أتباعه حول من يمتلك حقيقة ذلك الدين و جوهره، و من يمتلك أحقية الخلافة و الحكم؛ و صل الاختلاف إلى حد إراقة الدماء . الكثير من الدماء طوال حقب من التاريخ الإسلامي.

في القرن 18م سيظهر شخص في جزيرة العرب تلك، في منطقة من شطرها الشرقي  تسمى "نجد " اسمه محمد بن عبد الوهاب . و من بين غبار الصحراء و قيظها سيعلن أن مهمته و رسالته هي تنقية دين الإسلام من الشوائب و الزوائد و البدع ، و إرجاعه إلى حالته الأولى  الصافية. النقية. الطاهرة. و ذلك باعتماد قراءة متشددة للنص الديني، و مفرطة في التشبث بظاهر حروفه؛و ذلك بالاستعانة " بنظارات " شيوخ لا يقلون تشددا عنه: من ابن حنبل مرورا بابن تيمية و صولا لابن القيم الجوزية.

هذه القراءة المتشددة ستتعمد بالدم فيما بعد ، لأن ابن عبد الوهاب سيفهم شيئا أساسيا، و  هو أن البقاء في المستوى الدعوي لن يقود الناس إلى التخلي عن البدع و إتباع الإسلام الصحيح في نظره. لابد من الإجبار و الإكراه. لابد من امتلاك السلطة ألا "يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " . مما سيقوده إلى التحالف مع أسرة نجدية متعطشة للسطوة و السيطرة. للنفوذ و الثروة ، إنها أسرة آل سعود. و من هذا التحالف المصلحي المتبادل القائم على مبدأ "إعطاء السلطة للدين وإعطاء الدين للسلطة" ستبدأ مغامرة سياسية و عسكرية، فيها كر و فر. انتصارات و هزائم. مذابح و مغانم. ليستطيع هذا الحلف الفولاذي في الأخير أن يصمد و يستمسك و يستمر في الزمان و المكان حتى بزوغ اللحظة الثالثة.

اللحظة الثالثة: و هي لحظة مفصلية بكل المقاييس، حيث ستعرف منطقة نفوذ هذا الحلف الوهابي- السعودي اكتشاف النفط و الغاز بكميات هائلة، و في عالم و اقتصاد متعطش لهذه الطاقة.

و يحدث أن يجد هذا الحلف حماية من قوى عظمى، من إنجليز و أمريكان في سياق المصلحة المتبادلة: ضمان تدفق النفط للغرب الصناعي بأسعار زهيدة مقابل استمراره في الحكم والاستمتاع  بملذات الملك.

و يحدث أنه ستتراكم أموال النفط بالتريليونات من الدولارات لدى هذا الحلف السعودي- الوهابي و من يدور في فلكه في جزيرة العرب ، مما سيدفعه لترسيخ وتثبيت  شرعيته المذهبية و أفضليته الدينية عبرشراء كل شيء و التأثير في كل شيء في أغلب بلدان "دار الإسلام": في الاقتصاد و السياسة، في الإعلام و الثقافة ، و حتى في الأذواق و الميول الفردية (لباس، موسيقى، أنماط الاستهلاك...)  مدعوما بوضعه اليد على قدس أقداس المسلمين : مكة و المدينة.

و يحدث أن الراعي و الحامي الدولي لهذا الحلف يحتاج لدوام سيطرته  لهذا النوع من الإسلام الجاهل بأسباب الحضارة و التقدم. إسلام غير مستنير. إسلام لا يضمن "لأمة الإسلام" النهضة و الرقي.

و يحدث أن يكتشف هذا الحلف بعد "تجربة أفغانستان" الإمكانيات الهائلة التي يتيحها  توظيف استراتيجية  "الجهاد باسم الإسلام" لسحق الأعداء و الخصوم. ألم يغادر الجيش الأحمر السوفياتي أفغانستان تحت ضربات مجاهدين يصيحون" الله أكبر".

و بناءا على هذه الاستراتيجية ، و بواسطة أموال النفط الهائلة ، سيتم بناء أضخم "ماكينة" لصنع العنف و الإرهاب الدموي ، عبارة عن سديم من التنظيمات الإرهابية بتسميات مختلفة، قاسمها المشترك: ممارسة الإرهاب بغطاء ديني.

هذه التنظيمات الإرهابية قد تأخذ شكل "جيوش "لإسقاط أنظمة سياسية غير مرغوب فيها، كما قد تأخذ شكل كلب حراسة شرس "بيتبول" في يد هذا الحلف لتخويف و تركيع دول بكاملها و جعلها في حالة انصياع تام لتتنازل عن جزر هنا، وإدخال ملتحين للحكومة هناك، تغيير مناهج التعليم هنا، و إدخال "بنوك إسلامية " و تسهيلات استثمارية هناك....

يقال دائما إن "المال عصب الحرب" l’argent est le nerf de la guerre – بمعنى لا حرب بدون توفر موارد مالية. للحرب كلفة مادية لخوضها و الاستمرار فيها. و قياسا على ذلك يمكن القول : لولا المال النفطي لما كانت ثمة إمكانية لتأسيس و تمويل تنظيمات إرهابية ضخمة عديدا و عدة، ناهيك عن كونها معقدة تنظيما و هيكلة، من القاعدة إلى النصرة و من داعش إلى بوكوحرام...و من على الشاكلة.

من سخرية الأقدار إذن، أن التقت "صدفة جيولوجية" ولدت نفطا في منطقة ولدت جراثيم إيديولوجية من طبيعة دينية ، لتجتمع الشروط المادية والثقافية المنتجة لكل هذا الإرهاب المروع باسم الإسلام.

فلنتأمل هذه الصورة المتخيلة التالية: جزيرة العرب بدون نفط ولا غاز، و لا إسلام مستنير، لا شك أنها سترزح تحت ثقل البداوة و التخلف و غبار الصحراء الذي يسد مسام الجلد و العقل؛ و ما كانت لتحوز على إمكانيات مادية تسمح بتصدير ذلك التصور الدموي الوهابي للإسلام إلى الخارج.

و لربما كانت الدماء المسفوكة فوق أسفلت عواصم الشرق و الغرب أقل......

و لربما كان العالم أهدأ.......ولربما...........................و لربما............



عن هيئة تحرير الموقع