يعتقد الكثير من المسلمين أن هناك تعارضا صارخا بين الاسلام والحداثة، على اعتبار أن القيم التي يدعو لها الاسلام، كالتعاون والتضامن والتراحم والعفة والمواساة والعدل ... لا تتوافق مع القيم التي نظرت لها الفلسفات الحديثة ومنها المنظومة الحداثية ككل. بل والأخطر في الأمر هو الادعاء بأن الحداثة أتت لتقوض أركان الاسلام وقيمه السمحة. ولهذا بدأ البعض يدعو إلى ضرورة "أسلمة الحداثة وليس تحديث الاسلام". بيد أن الأمر الأكثر إثارة في هذا الصدد، هو الدعوة إلى رفض قيم الحداثة كيفما كانت، بل معاداتها والهجوم عليها، ولعل الأمثلة على ذلك مما لا يحصى ولا يعد.

وقد بدأت هذه الأفكار تتسلل إلى عقول وأذهان الشباب بشكل خاص، مقيمة بذلك قطائع حقيقية بين الثقافات والديانات والفلسفات والعديد من المرجعيات، إلى الحد أن وصل الأمر بالبعض إلى استعمال العنف المادي والارهاب الفكري في وجه كل من يتحدث عن قيم الحداثة والتحديث والعصرنة والتطور. فكيف يمكن تفسير ذلك؟ وما هي تداعيات هذه الأفكار على وعي الفئات الشابة  سواء المتواجدة في البلاد الاسلامية أو في بلاد المهجر؟ وكيف يمكن تصحيح هذه الأفكار؟

بداية ولفهم جيد للموضوع، يمكن القول أن البذور الأولى للتصارع المفتعل بين الاسلام والحداثة، إنما مرده إلى ضعف وهشاشة التكوين المعرفي لأجيال عديدة من الشباب المسلم، ويعزى هذا الضعف إلى حرمان الكثير من الشباب من المعرفة الفلسفية والفكر الفلسفي عموما. إذ تبين من خلال العديد من الدراسات والأبحاث أن شطب مادة الفلسفة من مقررات التدريس في الثانوي والعالي، كانت له تداعيات خطيرة على ترسيخ نوع من الفكر المنغلق (الدو غمائي). لأن الفكر البسيط يكره مسألة نسبية الأفكار. وهذه فكرة ترتبط بموضوع هذا المقال، لأننا عندما نجد بعض الشباب، ينظر لقيم الحداثة باعتبارها قيما متعارضة مع الاسلام، فإن ذلك ما يؤكد أن الامر خطير وفيه تغليط وتشويه للحقائق.

فالحداثة وقيمها والتي يمكن أن نبسط بعض أمثلتها، تدعو إلى العدالة الاجتماعية وإلى الحرية وإلى المسؤولية وإلى التنمية والديمقراطية وإلى تمكين النساء وإلى حقوق الانسان. و كل هذه القيم التي ذكرناها أو لم نذكرها، إنما تدل بشكل قاطع على أن قيم الحداثة هي قيم كونية بامتياز. فتأمل معي قيمة الحرية، إنها من القيم الأساسية التي بدونها لا يمكن الحديث عن كرامة الانسان، فالحرية مبدأ أول وأخير، فالحرية مثل الاكسجين الذي يحتاجه الانسان لكي يحيا. وعندما نقارن بين المبادئ التي جاء بها الاسلام، لا نجد تعارضا يذكر، فالإسلام بدوره يدعو إلى الحرية حتى في المعتقد، فما بالك في أمور أخرى. (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي)، وفي آية أخرى جد دالة: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين). وقد كان حرص الاسلام على ترسيخ مبادئ الحرية من خلال مجموعة من النصوص، بل واكثر من ذلك من خلال وقائع ملموسة وتاريخية، تؤشر على تجذر فكرة الحرية في القيم الدينية الاسلامية. فلماذا يقول البعض بالتعارض بين المنظومتين؟

هناك العديد من الترسبات الكثيفة التي جعلت العديد من المسلمين اليوم، وخاصة فئة الشباب، ترى تعارضا بين قيم الاسلام والحداثة، وذلك مرده إلى التأويل المغرض الذي تقوم به تيارات الاسلام السياسي، وبعض الخطباء وأشباه العلماء، وعبر قنوات الاعلام الديني. حيث يصورون الحداثة بأنها "كفر" و"خروج عن الملة وعن الدين"، ولا يرون في الحداثة وقيمها، إلا الحرية المطلقة، وحرية التصرف بالجسد والحرية الجنسية والجري وراء اللذة والبحث عن المتع الغريبة والمستغربة، وما إلى ذلك. وهو تفسير اختزالي يتناقض مع فكرة الموضوعية التي يتبجح بها البعض. فالحداثة منظومة أخلاقية وقيمية وإنسانية وكونية، وأغلب ما جاءت به لا يتعارض مطلقا مع الديانات ومع الاسلام تحديدا. فمثلا عندما نتحدث عن الحرية فهي ليست مطلقة، إذ لا توجد حرية مطلقة في أية منظومة كيفما كانت، هناك حرية ومسؤولية، وهما صنوان لعلمة واحدة. فلا حرية بدون مسؤولية ولا مسؤولية بدون حرية. وعندما نتحدث عن الحرية الجنسية التي يتمتع بها الغرب وأمريكا، فهي لا تعني الفوضى الجنسية كما هو الحال عندنا في البلاد الاسلامية، ولعل الأمثلة مما تنوء عنه هذه المحاولة للتوقف، لكن لا بأس من بسط فكرة معبرة في هذا السياق. إذ تتحدث المعطيات الإحصائية الأخيرة، عن كون التحرش الجنسي الذي يقع في البلاد الاسلامية، يضاعف عشرات المرات ما يوجد في دولة أوربية أو أمريكية. ولعل في هذا المثال ما يعني أن الحرية الجنسية لا تعني أبدا أننا نطلق عنان الشهوة حيثما كانت وفي مكان، بل إنها تخضع لمجوعة من الضوابط والاعراف والقوانين والقيم التي تجعلها في تواقف تام مع القيم المجتمعية الحداثية. بينما في الثقافة الاسلامية نجد الأمر على عكس ذلك، لأنه ينبئ عن فوضى عارمة تتمثل في التحرش وفي "الخيانة الزوجية" من الطرفين لكن في صمت ونفاق عامين، وهو ما يشير إلى مسألة التوتر المجتمعي بأبهى صوره.

وبالرغم من وضوح هذه الفكرة، فإن البعض لا زال يتشبث بمقولة أن الحداثة خطر على القيم وعلى الدين وعلى الاسلام وعلى المسلمين، لأنها تدعو إلى الحرية الجنسية وترفض مؤسسة الزواج، وتدعو إلى "الانحلال والفساد والرذيلة". ولا يتوقف الامر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى مرحلة المعاداة النفسية ومن ثم المعاداة القلبية وبعده المعاداة المادية، أي العنف والارهاب ضد كل حداثة وكل حداثيين، وإخراجهم من الملة ومن الاديان، واتهامهم بالعلمنة، وهي صنوة الكفر والزندقة في نظر العديد من التيارات الاسلاموية، ومنها تيارات السلفية الجهادية والقتالية وما إلى ذلك.

لذا يتشكل وعي الشباب بمجموعة من الأفكار المغلوطة والمضللة عن الحداثة والحداثيين والبلاد الحداثية، ويبدأ الشاب في نسج مجموعة من النعوت والأوصاف التي يلخصها في كلمة "الكفر ملة واحدة"، ولا يميز بين الطالح والصالح، ويبدأ في الاستسلام لكل أنواع التغرير والشحن وغسل الدماغ للاستجابة لدعوى "الجهاد في الكفار " من الحداثيين و من والاهم ومن يدور في فلكهم، سواء كانوا يعيشون في البلاد الأوربية أو الأمريكية أو حتى في البلاد الاسلامية، ناعتا إياهم بالطابور الخامس.

بيد أن هؤلاء الشباب المغرر بهم، لا ينظرون إلى مفارقة عجيبة وكبيرة، وهي أن السلاح والمتفجرات التي يستخدمونها في عمليهاتهم هي نتاج الحداثة، ومن إنتاج الغرب وأمريكا، فبفضل هؤلاء تمكن التيار الارهابي من التوفر على السلاح وعلى كل التقنيات التي يستخدمها هؤلاء في عملياتهم الارهابية، كالحواسيب والاجهزة الالكترونية والهواتف الخلوية وما إلى ذلك.

لذلك، على كل شاب أن يطرح سؤالا مركزيا على نفسه، عندما يريد الانخراط في عملية إرهابية: من تحارب؟ من "تجاهد" ؟ من تريد أن تقتل؟ هل هؤلاء الذين تفكر في قتلهم وإعدامهم، يستحقون ذلك، أم على العكس فهم يستحقون الثناء والشكر والاعتراف بجميل صنعهم، وبما قدموه للبشرية بل للإنسانية جمعاء من خدمات.

إن الاجابة عن هذا السؤال، تعيدنا إلى فكرة المنطلق، وهي أن الحداثة والاسلام لا يتعارضان، وأنهما يهدفان إلى بناء الحضارة والانسان، وليس كما يتصور البعض. فاحذر أخي الشاب اختي الشابة من السقوط في شرك  الجهال وفي من لهم أهداف غير واضحة، ويريدون الزج بالمسلمين في حرب حضارية مفتعلة بين الاسلام والحداثة.



عن هيئة تحرير الموقع