لا يكمن الخطر الأكبر الذي يتهدد الأمة العربية اليوم في المخططات والمؤامرات التي تحاك لها من الخارج، بقدر ما يكمن في ذلك الفكر المتطرف الذي ينتشر انتشار النار في الهشيم، ولا يعترف بالآخر، ويدمر في طريقه الأخضر واليابس في نمط أحادي يحاكي فرعون في أوج عربدته وذروة استكباره، وسط أنظمة عربية رسمية يغذي الكثير منها هذا الفكر عبر سياساتها القمعية وتنكرها للديمقراطية والحريات المجتمعية.

فالفكر المتطرف المتدثر بعباءة الدين الإسلامي يشكل -بلا ريب- المدخل الأوسع والتربة الأكثر خصوبة لإنجاح المخططات والتدخلات الخارجية التي تستهدف ضرب حاضر ومستقبل الأمة العربية والهيمنة على قرارها ومقدراتها.

انتشار مخيف

تنتشر في ربوع ومساحات واسعة في الأمة بشكل مخيف جماعات ومجموعات تحمل فكرا متطرفا يلتحف بالدين والشعارات الإسلامية، ولئن كان تنظيم الدولة الإسلامية )داعش( يبدو أبرزها هذه الأيام إلا أن هناك مجموعات أخرى كامنة ومتناثرة في مناطق مختلفة من الدول العربية تتوسل بهذا الفكر المتطرف، وتتمظهر في بعض الشباب المتحمس اليائس من الإصلاح والتغيير، والمؤهل للانتقال في أي وقت إلى العمل الميداني بشكل أو بآخر، وهو ما يضيف تحديا جديدا وخطرا إلى جملة التحديات والأخطار القائمة.

ومن دون شك، فإن الشعارات الدينية التي تطلقها "داعش" والجماعات المتطرفة الأخرى عقب تنفيذ كل عملية قتل أو اغتيال وسفك للدماء، تضع الإسلام ككل في دائرة التشويه والاستهداف، وتجعل ظهر المسلمين إلى الحائط، وتقدم أكبر هدية على طبق من ذهب لكل الحاقدين والمتآمرين على الأمة وقيمها ورسالتها المحمدية السمحة التي جاءت بكل مبادئ الرحمة والعفو والمحبة والوفاء والإيثار والغفران.

وهكذا، لم يعد يقتصر الخطر الأكبر على "داعش" وأخواتها من الجماعات المتطرفة بقدر ما يتعلق اليوم بفكر غريب يتمدد باطراد في بعض الأوساط الدينية الحركية، ويسيطر على العقول محاولا توظيف نصوص وشعارات دينية جليلة في إطار معركة مقززة تتناقض مع أهداف الدين ومقاصده الكلية.

المشهد الحركي الإسلامي العام ينبئ بـ"تفلتات" فكرية من هنا وهناك، وانسياب لبعض العناصر من فضاء الفكر المعتدل إلى حيز التطرف المذموم في هذا البلد أو ذاك، كما أن قسوة الواقع العربي الملبد بالبؤس السياسي والمعاناة المعيشية تشكل عنصرا انقلابيا في الإطار الفكري لدى بعض الشباب المتعجل اليائس الذي يفتقر إلى الحكمة والوعي السليم، وهؤلاء وأولئك يشكلون قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة.

تراجع الفكر المعتدل

الحقيقة الأكثر مرارة هذه الأيام تكمن في أن الفكر الإسلامي الوسطي المعتدل الذي يبث قيم الرحمة والتسامح ويبتغي نشر الرسالة المحمدية، رسالة المحبة والسلام للعالم أجمع، أخذ يتراجع شيئا فشيئا وتبدو عليه ملامح الضعف والوهن اليوم في ظل المطارق الدموية التي تهوي على الرؤوس وتزهق النفوس في كل اتجاه، والخلط الخطير للأوراق الدينية والفهم المنحرف لمقاصد الدين وكليات الإسلام العليا، فالفكر المتطرف والنزعة المتشددة التي تطغى على العديد من الجماعات الإسلامية المسلحة، والصوت المرتفع لهذه الجماعات بضجيجه الصاخب، بات السمة الأكثر بروزا التي تغطي مساحات واسعة في إطار المشهد العربي الراهن.

لم يعد الصوت الإسلامي المعتدل الذي ينادي بالتوازن ونبذ الغلو والتطرف قادرا على مجاراة الانجراف العقلي الذي أحدثته موجات التطرف في السنوات الأخيرة، وما سببته من كوارث كبرى بحق الأمة وشعوبها، وبدا أن الجماعات الإسلامية ذات الفكر الوسطي المعتدل قد انكفأت إلى الخلف وفقدت قدرتها على الريادة القديمة وعجزت عن تصدّر المشهد الإسلامي لأسباب ذاتية وموضوعية، ما جعل الساحة العربية اليوم رهينة العقل الأجوف والفكر المنحرف الذي يستمد عزمه ومضاءه من الرؤية الفرعونية الأحادية التي لا ترى إلا نفسها، والذي ينهل مبادئه وتوجهاته من معين فهم زائف يتوسل بالقوة لا غير في إقامة الدين وشرائع الإسلام، ويعتمد على أسلوب الفرض القسري للمواقف والسياسات المتشددة التي يحسبونها -خاطئين- جزءا من الدين وأصلا من أصول الشرع، واستدعاء العقاب الدموي الذي يزهق الأرواح ويسفك الدماء ويهتك الأعراض ويخرب الديار والمقدرات.

ولعل الإشكالية الأخطر تكمن في اختلال موازين الجماعات الإسلامية المعتدلة، وعجزها عن ترتيب أولوياتها الملحة في ظل التحديات القاسية التي تواجهها الأمة حاليا، فقد انهمك بعضها في مواجهة ومناكفة بعض الأنظمة الحاكمة، وتماهى البعض الآخر مع متطلبات الحفاظ على الذات التنظيمية، دون أن يكون لأي منها القدرة الناجزة على التصدي لكرة الثلج التي تجرف في طريقها الأرواح والقيم والأخلاق والأمن والاستقرار في الأمة يوما بعد يوم.

هي -حقا- كرة ثلج تزداد خطورتها يوما بعد يوم، لأن الآثار الكارثية التي خلفتها في الأمة قد اتسعت دائرتها بشكل خطير في الآونة الأخيرة، فها هي الدماء تسيل مدرارا والضحايا يسقطون بالآلاف والأبرياء يقتلون ويعدمون بغير ذنب في هذا البلد أو ذاك على يد القوى والأنظمة الباغية وعلى يد بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة على السواء، وها هي دول عربية كانت سالمة آمنة تؤول اليوم إلى التفسخ والتقسيم وتصبح مرتعا للأصابع الغريبة والتدخلات الأجنبية التي تعبث بها وتشعل فيها أوار الفتنة والاقتتال، وها هي دول أجنبية كبرى مثل روسيا تسخر أسطولها الحربي لتدمير سوريا، ولن يطول الأمد حتى نبلغ المرحلة الأخطر في حياة الأمة التي تتسع فيها دوائر الفجور والفتنة والقتل والتخريب، ويقتل فيها الرجل والمرأة والطفل، ولا يدري لم قُتل، ويصبح الأمن والسلامة والاستقرار شيئا منسيا من ذكريات الماضي الغابر، ويغيب العقل الرشيد والفهم السديد لتسود لغة الفكر العنصري الأحادي والجهالة المطبقة التي تأخذ بيد الجميع نحو الهاوية.

مستقبل قاتم

اليوم، تلج الأمة مرحلة جديدة، إذ لم يعد الأمر قاصرا على الاختراقات الجغرافية وتنفيذ التفجيرات وأعمال القتل في المدن والعواصم الأوروبية وغيرها ضد المدنيين، بل تطور الأمر نوعيا لجهة المساس المباشر بممثلي ومسؤولي الدول كما في حادثة اغتيال السفير الروسي بتركيا، وهذه مرحلة -دون شك- حبلى بألوان الغباء والانفلات الديني والأخلاقي والإنساني، وحاملة لكل المضار والمفاسد والسلبيات، ونافية لكل المصالح والمنافع وسبل الرشاد في الأمة.

لا يحتاج المرء إلى كثير عناء كي يدرك أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة دموية بكل المقاييس، وأننا نشهد عملية انتقال متدرجة من السيء إلى الأكثر سوءا، ومن العنف إلى الأكثر عنفا، وأن ما هو قادم خلال سنوات سيفتح المزيد من بوابات الدم والخراب والدمار في ظل ساحة عربية مستلبة الحرية والقرار، ويغيب عنها صوت العقل والحكمة، وتخضع للأفكار المتشددة والمناهج الأحادية، ويهيمن عليها نوازع الحقد والبغضاء والطغيان وسفك الدماء.

الشواهد الدالة على سوداوية المرحلة القادمة ماثلة تماما للعيان، فالفكر الديني المعتدل والمناهج السياسية الوسطية تسير تدريجيا نحو الانحسار، ولن تتعدى تأثيراتها حدودها الذاتية والقطرية، في الوقت الذي ستنتفخ فيه أوداج ذوي الفكر المتطرف والمناهج المتشددة وتصبح لهم الكلمة العليا في مواجهة دول وأنظمة مستبدة ذات مصالح تستسهل في سبيل الحفاظ عليها ارتكاب المحرمات واقتراف الجرائم والمنكرات.

وهكذا يختلط الحابل بالنابل، وتعم الفوضى والفلتان، ويصبح الحليم حيرانا، حتى يتمنى المرء أن لا تطلع عليه شمس غده، لأن باطن الأرض خير له من ظاهرها آنذاك.

لسنا في معرض التحبيط والتخذيل وإدخال اليأس إلى القلوب، ولكننا نحذر من مرحلة بالغة الصعوبة، ونستشرف ظروفا بالغة القسوة تتأسس على استقراء دقيق لمعطيات المرحلة وعناصرها الفاعلة وأدواتها المؤثرة والأفكار والاتجاهات الحاكمة لمسارها، وننذر من تشكل خريطة جديدة للفوضى والجنون على امتداد المنطقة بسبب القمع الدموي لبعض الأنظمة وغياب الديمقراطية والفكر المتطرف سواء بسواء، في سياقات جنون متصاعد يلغي معه موجبات العقل والدين والأبعاد الأخلاقية والإنسانية، وكأننا نحث الخطى نحو مراحل أشد خطورة بمئات المرات من الحياة البدائية، ونسير -بسذاجة- إلى حيث التجسيد الكامل لشريعة الغاب التي يقتل فيها القوي الضعيف، ولا موقع فيها للضعيف أو اليائس، ولا مجال فيها للرحمة أو الشفقة أو الإنسانية.

مقاربة استدراكية

مع هذا التشخيص الخطير والإنذار المرعب لآفة القرن ينتصب السؤال الاستدراكي الأكثر إلحاحا، وهو: ما الذي يمكن أن نفعله في مواجهة هذا الانحدار الرهيب والانزلاق الجارف نحو الهاوية المحققة؟ وهل نملك القدرة على مواجهة ذلك أو الحد من آثاره على أقل تقدير؟

لا تبدو الإجابة سهلة بأي حال من الأحوال، لأن رسم الحلول النظرية المجردة بعيدا عن ممكناتها الواقعية يغدو نوعا من العبث في هذه الحالة، فالمثالية في غير موضعها الواقعي عقم فكري ومثلبة عقلية هادمة للجهود والطاقات، ما يعني أن أي مقاربة للحل ينبغي أن تستند إلى نظرة عملية دقيقة وأسس واقعية سليمة.

أول الخطوات يجب أن تبدأ من الحركات والجماعات الإسلامية المعتدلة ذات الفكر الوسطي، إذ ينبغي أن تتحمل مسؤولياتها في فضح الفكر الإسلامي المتشدد الذي يقود إلى خراب الديار وهلاك العباد، وأن تعيد صياغة أولوياتها بحيث تعمل على رفع هذه المهمة الكبرى إلى صدارة الأولويات، لأن هذه الحركات والجماعات التي تتصدى لمشروع نهضة الأمة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفكريا، لا يمكن أن تتولى إنفاذ مشروعها في ظل سيادة مشروع الدم والقتل والدمار، وستفقد أي قدرة على ممارسة أي دور حقيقي خلال المرحلة المقبلة.

بموازاة ذلك، فإن القوى والحركات والأحزاب والشخصيات الفاعلة في الأمة يجب أن تضطلع بدورها ومسؤولياتها في التلاحم الجاد والتكاتف المشترك للفظ واستئصال الجماعات المتطرفة والمنتمين إليها وعدم السماح لهم بأي موطئ قدم في ساحتنا العربية.

في المقابل، فإن على الأنظمة الحاكمة في الدول العربية التي لا زالت بمنأى عن يد التخريب والدمار المتطرفة واجب الفهم وإدراك مسؤولياتها الكبرى التي تحتم عليها قطع الطريق على الجماعات المتشددة وفكرها المتطرف عبر التخلي عن سياسات الأثرة والأساليب الشمولية التي تؤسس عليها هذه الجماعات فكرها وسياساتها ومواقفها وممارساتها، ومد جسور التعاون مع القوى السياسية والمنظمات والشرائح الشعبية في إطار نشر وتعزيز الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية لمواجهة الجماعات المتطرفة ومحاربة فكرها الهدام ومنعه من اختراق حصانة المجتمعات العربية.

وقبل هذا وذاك، فإن على الأمة بأنظمتها وقواها السياسية وشعوبها، أن تدرك أن الأصابع الخبيثة لأعداء الأمة، شرقا وغربا، تلعب لعبتها في إيقاد فتيل الفتنة والتخريب في ساحتنا العربية، وأن الكثير من القرائن والمؤشرات تدل على أن هذه الجماعات المتشددة صنيعة خارجية، وأن العديد من قياداتها تخضع لدعم وتوجيه، مباشر أوغير مباشر، من العديد من الدوائر الاستخبارية الإقليمية والدولية، ما يوجب كل الحذر في التعامل مع هذه الدول، وعدم الوقوع رهينة سطوة تهديداتها وتدخلاتها في الشؤون العربية الداخلية تحت أي حجة كانت وأيا كان الثمن، والحرص على توثيق العرى الوطنية وسلامة الجبهة الداخلية للمجتمعات العربية.

وختاما.. فإن الأمة العربية بأسرها تقف اليوم على مفترق طرق خطير، وما لم تنهض بكافة قواها ومكوناتها وشرائحها على قلب رجل واحد لمواجهة آفة القرن بكل حكمة ومسؤولية وتعاون، فإن التطرف سيغدو سيد المشهد وقائد الميدان بلا منازع خلال السنوات المقبلة، وحينها سيكتوي القوم بالنيران المحرقة، وسيبتلع الطوفان الجميع دون رحمة أو استئذان.



المقال الأصلي: الرابط