"لم يجرؤوا حتى على دفن أبنائهم؛ بل تَرَكُوا جثثهم لتكون نهشاً للكلاب والقطط"، ليس هذا مشهداً سينمائياً محبوكاً لكي يبكي الجمهور، ولكنه ليس إلا النزر اليسير من شهادات الناجين من مدينة تلعفر العراقية الذين فرّوا من معركة تحريرها مِن تنظيم داعش .

فُتح وابل الرصاص ودوي القذائف والصواريخ، سارع بارق البياتي مسرعاً مع زوجته وأبنائه الخمسة بالهرب من بيته بمدينة تلعفر، المعقل الأخير لـ"داعش" بالعراق، وهم يتقافزون بين أكوام الحجارة الناجمة عن القصف الجوي والبري، متجهين نحو الحدود الجنوبية للمدينة، ولكنهم اكتشفوا أنهم يفرُّون من الجحيم إلى ما هو أسوأ!

"رائحة الموت كانت تزكم الأنوف وكأن الموت يحدق بنا من كل جانب! دخان وأنقاض ودماء وجثث وصواريخ وقذائف، كان عجيباً أن نخرج من تلك الحرب سالمين أول الأمر لكن ما ينتظرنا كان لا يقل خطراً عما شهدناه من أهوال الحرب، فالصحراء القاحلة كانت بانتظارنا".

هكذا بدأ بارق البياتي يروي تفاصيل المعاناة التي عاشها، لـ"هاف بوست عربي"، خلال رحلة خروجه من تلعفر إلى مخيمات النزوح على مشارف الموصل، قائلاً: "كنا محاصرين في المدينة وكان تنظيم داعش يمنعنا من الخروج منها، وعندما اقتربت المعركة عرفنا أن مصيرنا قد يكون تحت أنقاض منازلنا".

وأضاف البياتي: "حينما بدأت المعركة واندلعت الاشتباكات بين القوات العراقية ومسلحي (داعش)، بدأنا كمدنيين نهرب تباعاً من أحياء المدينة التي اقتربت منها القوات العراقية؛ أملأً في الخروج نحو مناطق آمنة أو حتى نحو الصحراء".

ويتابع: "خرجت بأسرتي بأعجوبة من منزلنا في الأحياء الجنوبية للمدينة، وكانت القذائف والصواريخ تتساقط من السماء على مدار الساعة، ودوي الانفجارات يكاد يخرق مسامعنا. ولم يكن أمامنا خيار آخر؛ فإما المجازفة بالهرب وإما البقاء بانتظار صاروخ يدفننا تحت ركام المنزل كحال عشرات الأسر الأخرى".

رحلة الموت

بارق، استمر في المشي مع أسرته يومين متتاليين بالصحراء؛ فلم يكن هناك طريق آمن لعبور النازحين نحو المخيمات، رحلة جوع وعطش وإرهاق شديد، فقد كثيرون خلالها حياتهم، وخاصة كبار السن والأطفال.

يضيف بارق لـ"هاف بوست عربي": "لقد كانت رحلة أليمة جداً في صحراء المحيطة بتلعفر، مئات الأسر، أطفالاً ونساء وشيوخاً، يسيرون في الصحراء، مات بعضهم، وخاصة الأطفال وكبار السن ممن لا يحتملون الإرهاق والجوع والعطش".

وصل بارق وأسرته إلى مخيمات "حسن شام" شرق الموصل والتي أنشئت منتصف عام 2016 تقريباً بعد المشي يومين متتاليين. لكن آخرين لم يحالفهم الحظ في الوصول إليها فماتوا في الصحراء أو قطَّعتْ أجسادهم الصواريخُ والقذائف خلال مسيرة النزوح المؤلمة.

لماذا لم يدفن أبناءه وزوجته؟

لكن حال بارق كان أفضل من حيدر التركماني الذي فقد اثنين من أبنائه وزوجته خلال رحلة الهرب من جحيم المعارك بعد أن سقطت قذيفة في الشارع الذين كانوا يركضون فيه خلال محاولة هروبهم من المدينة؛ فقتلت القذيفة اثنين من أطفاله الثلاثة وزوجته، وأُصيب هو وابنه الصغير بجروح طفيفة، ولكن المأساة التي رآها سببت له حالة من الانهيار النفسي والعصبي.

المؤلم أكثر فيما حدث لحيدر أنه لم يكن باستطاعته دفن جثث ولديه وزوجته الذين قُتلوا في الطريق بسبب القصف العشوائي على المدينة، ففارقهم وهو ينظر إلى أشلائهم المقطَّعة وهو لا يقدر على فعل شيء وبين يديه طفله الآخر حسن، الذي كانت الدماء تغطي وجهه الصغير والرعب رسم ملامحه عليه، وكان كل ما بقي لحيدر من الدنيا.

ويحدثنا قريبه، مهدي، الذي كان يسكن الحي ذاته وخرج معه وشاهد ما وقع لأسرة حيدر، قائلاً إن "حيدر أصيب بصدمة عصبية أفقدته القدرة على الكلام، وهو يبكي طوال الوقت دون انقطاع ولا يتحدث".

يضيف مهدي لـ"هاف بوست عربي": "لم يكن حيدر الوحيد الذي فقد عدداً من أفراد أسرته في الطريق، ولكن ما ضاعف الألم أنه لم يتمكن حتى من دفنهم؛ بسبب شدة القصف، فتركهم في الطريق كحال عشرات الجثث الأخرى لأطفال ونساء ورجال قُتلوا إما قنصاً وإما قصفاً".

قطط وكلاب!

ويصف مهدي تلك اللحظات المؤلمة، قائلاً: "لقد كان حيدر يحاول لملمة أشلاء طفليه التي قطعتها شظايا القذيفة ويمسك يد زوجته التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة وهو ينظر إلى عينيها ويبكي. وعلى بعد أمتار قليلة، كانت قطط وكلاب سائبة تأكل من الجثث التي قُتل أصحابها قبل يوم!".

ويتحدث مهدي بمرارة وهو يضيف: "إنها لحظات عصيبة أن يترك الرجل طفليه وزوجته في الشارع وهو يعلم أن القطط والكلاب ستأكلهم، لكنه كان لا بد من أن يكمل طريقه لإنقاذ طفله الصغير الذي نجا معه، ولم نكن جميعاً قادرين على فعل أي شيء؛ فمن يتأخر دقائق سيموت ويلحق بمن سبقه ويبقى جثةً هامدةً في الشارع حتماً".

الأطفال

ويقول الناشط علاء الحديدي، الذي يعمل متطوعاً في فرق الإغاثة الإنسانية بمخيمات شرق الموصل، لـ"هاف بوست عربي"، إن "الأطفال كانوا الأشد تضرراً فيما يجري؛ فرغم صغر سنّهم شاهدوا أهوالاً لم تخطر لهم على بال؛ أنهكهم الجوع، والعطش، والمشي أياماً حتى وصولهم إلى المخيمات كانوا مرعوبين بشكل لافت".

ويقول الحديدي: "العديد من الأطفال الصغار وصلوا للمخيمات مع أُسر أخرى خرجت من المدينة بعد أن فقدوا أُسرهم بالكامل؛ بسبب القصف العنيف الذي لم يُبْقِ لهم أي أحد".

ثلثا المدينة

وانطلقت معركة تلعفر في 20 أغسطس/آب 2017 بمشاركة قوات الجيش العراقي ومكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية وميليشيات الحشد الشعبي التي سيطرت على ثلثي المدينة، بحسب المصادر الأمنية.

وجاءت هذه المعركة لتكون استكمالاً للعمليات العسكرية التي انطلقت قبل أقل من عام والتي تمكنت خلالها القوات العراقية من استعادة السيطرة على مدينة الموصل، ثاني كبرى المدن العراقية.

ونجم عن عملية تحرير تلعفر رحلة نزوح قاسية أخرى ضمن سلسلة النزوح العراقية، التي شُرّد خلالها الملايين من أهالي المدن المنكوبة في المخيمات والصحاري.

النازحون قالوا إن الحكومة العراقية لم تفِ بوعودها في تأمين ممرات آمنة للنازحين من المدن التي تجري فيها عمليات عسكرية، وهو ما حدث ذاته في الموصل، وقبلها الفلوجة والرمادي وتكريت وبيجي وجرف الصخر وديالى؛ ما سبب خسائر كبيرة بين المدنيين في تلك المعارك.

وقال أحد مسؤولي مخيمات شرق الموصل لـ"هاف بوست عربي"، إن أعداداً كبيرة من أهالي تلعفر توجهوا نحو تركيا، فيما اتجهت عشرات الأسر نحو مخيمات شرقي الموصل وأسر أخرى قليلة نحو مدن جنوب العراق إلى كربلاء والنجف، في ظل إهمال حكومي وعدم وجود مساعدات إنسانية من أغذية وأدوية ومياه للشرب؛ ما دفع كثيرين منهم للتوجه إلى مناطق أخرى أو العودة إلى مخيمات الموصل".

وكشف المسؤول، الذي رفض ذكر اسمه، أن" النازحين حالياً يعتمدون على المنظمات الإنسانية المدنية، التي تعتمد فيما تقدمه لهم على مساعدات عينية أو مالية، يقدمها ميسورون ومتبرعون لا علاقة لهم بالحكومة".

أحرق عائلته!

وكان أحد النازحين من مدينة تلعفر أحرق أسرته بالكامل على الطريق الرابط بين مدينتي كربلاء والنجف بجنوب العراق، قبل أيام، في حادثة هي الأبشع خلال سنوات النزوح.

وقالت مصادر أمنية من شرطة النجف ( 178 كم جنوب العاصمة بغداد)، في تصريحات صحفية سابقة، إن" نازحاً من تلعفر أقدم على حرق أسرته المكونة من 7 أفراد بالكامل، في سكنهم الواقع على الطريق الرابط بين كربلاء والنجف؛ بسبب الضغوط النفسية والفقر الشديد!".

وكان تنظيم داعش سيطر على قضاء تلعفر، الذي يعد من المناطق الاستراتيجية بالعراق في 15 يونيو/حزيران 2014، بعد نحو 5 أيام من سيطرته على مدينة الموصل في 10 يونيو/حزيران 2014.



المقال الأصلي: الرابط