ثقافة العنف الإرهابي (فكراً وممارسة) لا تنمو وتستشري في مجتمعات الفوضى والاحتراب فحسب، إنما حتى في المجتمعات المستقرة المترفة. فكما استشرت في مجتمع الخراب الأفغاني بعد خروج السوفييت واحتراب المجاهدين في ما بينهم، الذي أدى إلى ظهور حركة  طالبان صنيعة المخابرات الباكستانية بدعم مالي خليجي، استشرت كذلك في المجتمع السعودي المترف بعد عودة الأفغان السعوديين إلى مملكة النفط الوهابية. مع مراعاة الفارق في مستوى اتساع رقعة العنف الإرهابي بين اجتماع بشري مفكك بلا دولة كالصومال أو بدولة فاشلة كأفغانستان، وبين مجتمع متماسك في قبضة دولة أمنية صارمة كالسعودية.

وعلى الرغم من تباين عوامل استشرائه، بين الصومال وأفغانستان والجزائر والعراق، وصولا إلى ما بعد "الربيع العربي" في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، فإن الناظم الإيديولوجي المشترك كامن مصدره في الفقه التفكيري، الذي تتغذي عليه ثقافة العنف الإرهابي. وهنا ينبغي أن نتمعن في دلالة مفهوم الثقافة في اللغة العربية.

إذ أن مصطلح ثقافة جاء ترجمة لمفهومه في اللغات الغربية: CULTURE كما في الإنجليزية، مرادفاً للحراثة أو الزراعة. بينما يرجع مصطلح الثقافة في اللغة العربية إلى جذره: ثقف. وتعني ثقَّف الشيءَ. أي أقام المُعوَجَّ من الغصن وسوّاه. ومنه ثقَّف الإنسان. أي أدّبه وهذبه وعَلَّمه. وثقَّف الأخلاق. أي أصلح السلوك والآداب. وواضح أن مدلول المعنى في العربية مفارق لمدلوله في  اللغات الغربية. أي بين دلالة الحراثة والزراعة، التي  تحيل إلى عضوية النمو من البذرة، وبين دلالة تثقيف الغصن المعُوجّ، التي تحيل إلى تقويم الاعوجاج بتشذيبه.

المفهوم والدلالة                      

  إن المفهوم المتسق بدلالته العربية، بحسب الفكر الإسلامي، هو مفهوم الفقه الدال على الإيديولوجية الدينية القابضة على معتقدات وأفكار وعي المسلم العام. إذ أن الفقه من فَقِه الأمرَ: فهِمه بعد جهل. أدركه بعد تفكير. أحسن إدراكه. أي فَطِن، فصار مُدرِكاً لحقيقة الشيء. والحقيقة هنا من فقه اللهُ. الله الذي يصيَّر المرء عالماً وفقيهًا، حيث مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ (حديث).

وبالمحصلة فإن الفقه اتخذ معنى العلم اللاهوتي الدارج في معنى علم أصول الشريعة وفروعها. مع ذلك فإن دلالة اللفظ اللغوية في حد ذاتها لا تقيد التفكير والاجتهاد. فعلى سبيل المثال نجد معنى العقل في أصله اللغوي العربي يعني: عَقَلَ الجمل. أي ضَمَّ رُسْغَهَ إِلَى عَضُدِهَ وَرَبَطَهُمَا مَعاً بِالعِقَالِ لِيَبْقَى بَارِكَاً مقيداً. لكن ذلك لم يُبرِّك العقل العربي الإسلامي ويقيده عن التجلي العقلاني عبر الانفتاح على الفكر اليوناني المنطقي والعلمي، "حيث أصبحت بغداد في العصر العباسي الإسكندرية  الجديدة. فبيت حكمتها، الذي أُسس حوالي العام 800 (ميلادي) بهبة سخية  من الخليفة، احتوى على مجموعة علماء كبار متعدِّدي الثقافة، وكانت مهمتهم الرئيسية ترجمة جميع  الكتب الأجنبية المتميزة في مجالاتها إلى العربية. وقد عمل  في ذلك البيت مسيحيون ويهود جنباً إلى جنب مع المسلمين" (1) .

أنوار فكرية وعلمية

وحيث أصبحت الأندلس، من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر، نموذجاً لحضارة إنسانية كونية، شمالة بروح التسامح لتعدد الأديان. تعايش في مجتمعها الحضاري الإسلامي الخّلاق علماء وطلاب مسلمون ومسيحيون ويهود. حتى أن البابا سلفستر الثاني (930 ـ 1003م) جاء إليها طالبا راهباً، قبل تقلده منصب البابوية في روما، وتعلم العربية وتتلمذ على علماء أشبيلية وقرطبة، وجامعة القرويين في فاس المغربية. ومن الأندلس شعّت الأنوار الفكرية والعلمية في ظلمات أوروبا.

عبر عقلانية ابن رشد الأرسطية. لوغريتمات الخوارزمي. طب ابن سينا. كيمياء جابر بن  حيان. ابتكارات  الزهراوي لأدوات الجراحة الحديثة والخيطان من أمعاء القطط. بصريات الحسن بن هيثم. تقنيات الجزري الميكانيكية. أسطرلابات لا تحصى لألف استخدام مختلف مثل الفلك والتنجيم والأبراج والملاحة ومعرفة الوقت وغيرها. الجامعات والعمارة والصيدلة والموسيقى وشعر الموشحات والأزجال. الدفع بواسطة صك مالي "check". البنك والفائدة من طريق التجار اليهود الأندلسيين الذين لجؤوا بعد طردهم إلى أوروبا.

أسباب ظاهرة الإرهاب الديني باسم الإسلام

وبعدما وهن فكر المسلمين الحضاري تمكن الأسبان من  استرداد الأندلس وتطهيرها من الإسلام واليهودية بواسطة محاكم التفتيش الإرهابية. وهكذا بسقوط غرناطة مضى العرب والمسلمون أظلم فأظلم في غيبوبة التاريخ، بينما انطلقت أوروبا في فتوحات الفكر العقلاني والعلم التجريبي، واكتشافات مجاهل العالم الجديد ما وراء محيط الظلمات. لذلك فإنه من التبسيط النمطي بمكان ردّ أسباب ظاهرة الإرهاب الديني باسم الإسلام إلى اعتبار الإسلام دين متطرف في جوهره. أو مجرد تركيزها في خضوع المتطرفين لعمليات غسل دماغ. أو القول بأنهم مضطربون نفسياً وعقليا.أو لفقرهم.

بن لادن كان مليارديرا. وكان الظواهري طبيب عيون ينتسب إلى أسرة ميسورة. انتحاريو 11 سبتمبر/أيلول التسعة عشر كانوا شباباً  ميسوري الحال  أذكياء، أجادوا التدرب على توجيه طائرات ركاب مدنية ضخمة لتصبح صواريخ تدمير شامل وهم في كامل قواهم العقلية.. أين نفتش إذن؟! العوامل متعددة ومتداخلة. رئيسة وفرعية.

صدمة العقل الإسلامي النقلي بحضارة العقل الغربي العقلاني

لكن، في نظري، ينبغي أن نرسم إطاراً تاريخياً للمسألة برمتها. أما الإسلام كدين فهو كأي دين "حمّال أوجه" كما يقول الإمام علي. أي يمكن أن تأوله فقهاً للسلام والتسامح والعقلانية كما في الأندلس. أو تأوله فقهاً لكراهية الآخر المختلف وترخيصاً للقتل بحسبانه جهاداً مقدساً كما في شرع القاعدة وداعش.

من وجهة نظري أرى أن السبب الجذري العميق، وراء تسونامي الإرهاب الكاسح باسم الإسلام، يعود عميقاً  إلى صدمة العقل الإسلامي النقلي بحضارة العقل الغربي العقلاني، بدءًا من نهاية القرن الثامن عشر مع حملة نابليون بونابرت الاستعمارية على مصر (1798 ـ 1801)، مصحوباً ببعثة علمية لدراسة الحضارة المصرية. جاء بالمدافع والمطبعة. بالمدفع دك خنادق المقاومة الإسلامية في الأزهر. وبالمطبعة طبع بيانات إدارته الاستعمارية ومراسيمه. وبعد انتهاء الحملة الفرنسية عام 1801 أمر نابليون بنقل المطبعة الى فرنسا وضمت إلى المطبعة الاهلية بباريس. فالمطبعة كما المدفع كانت سلاحا استعماريا.

المستعمرون الجدد جاءوا من أنوار الحداثة

والحاصل أن الحملة الكولونيالية الخاطفة، وأن سرعان ما انتهت عسكريا، بقت صدمتها الحضارية تفعل فعلها: خلخلة في بنية اقتصاد الاجتماع المصري ـ المملوكي المنحط، وتوليدا لتحولات اجتماعية موضوعية ظهرت تعبيراتها في ما طرأ على وضع المرأة من تبدلات، مثل خروجهن إلى الحياة العامة سافرات وتداخلهن مع نساء الفرنسيس ومخالطتهن للرجال. وكان لوقع تلك المظاهر عند العموم وقع الكارثة واستبصار لعلامة من علامات القيامة.

لقد أظهر نابليون للمصريين أنه جاء لتخليصهم من طغيان المماليك وتمكينهم من إدارة شؤونهم بأنفسهم باسم شعارات الثورة الفرنسية. بينما كان هدفه الإمبراطوري الاستراتيجي إقامة مستعمرة فرنسية في مصر والشام كقاعدة لقطع الطريق التجاري بين بريطانيا والهند، تمهيداً لإطلاق حملة استعمارية أسطورية لاحتلال الهند على طريقة الاسكندر الأكبر. بالنسبة للذهنية العربية الإسلامية كانت حملة نابليون وما لحقها من احتلالات استعمارية غربية في العصر الحديث، تمثل امتدادا للحروب الصليبية القديمة.

وإذا كان الصليبيون القدامى جاءوا من ظلمات عصور الغرب الوسطى، فإن المستعمرين الجدد جاءوا من أنوار الحداثة. وهنا كما يقول ماركس كان الاستعمار الحديث ذا حدّين (مدمِّر/ معمِّر).

فعلى حد أول يقوم الفعل الاستعماري على التدمير والقتل والبطش والإذلال. وعلى حد ثانٍ يقتضي احتلاله العسكري تأسيس بنى حديثة، من إدارة وطرق وسكك ومدارس ومستشفيات وغيرها. وكذا إحلال مناهج تعليمية وتصورات ثقافية خدمة لمصالحه في إدامة السيطرة على مستعمراته والتحكم في إدارتها. ثم لحاجته إلى نشوء طبقة برجوازية طرَفيّة محلية تعمل كحلقة وصل خدماتية، إداريا واقتصاديا وثقافيا وأمنيا، بين السكان الأصلانيين والسلطة الاستعمارية، لتسهيل إجراءات السيطرة والتحكم.

الجرح النرجسي وغضبه - صدمة الحداثة المرتبطة بالتجربة الاستعمارية

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية جاءت حقبة "تصفية الاستعمار" فآل الحكم في العالم العربي لأنظمة وطنية حكمت شعوبها من طريق الاستبداد والفساد في الداخل والتبعية السياسية والاقتصادية للأجنبي  في الخارج.

المحكومون عوام رعايا في بيئة فقر وجهل وخنوع. والنخب بين شدّ وجذب. التراث والحداثة. الأصالة والمعاصرة. و"الجرح النرجسي" التاريخي يعمّق الشعور بالهزيمة والدونية. فيضخّم كراهية الذات بمزيد من النقمة على العالم الغربي الاستعماري، ويدفع إلى اللوذ والاحتماء بالهوية الإسلامية.

والحال أن صدمة الحداثة المرتبطة بالتجربة الاستعمارية المؤلمة أدت إلى انبثاق ما عرف بعصر النهضة العربية (قبل نهضة اليابان بستة عقود!). وقد سارت في اتجاهين رئيسين. الأول اتجاه تقبلي، من منظور علماني ليبرالي، عبر عنه مفكرون ومثقفون عرب، مسيحيين ومسلمين، يؤمنون بأن شرط النهضة الشارط يفرض بالضرورة الأخذ بما أخذت به أوروبا من أسباب تمدن وتحضر.

والثاني اتجاه إسلامي عقلاني إصلاحي، يقر أصحابه بتفوق أوروبا اقتصاديا وعسكريا، ويدعون إلى الأخذ منها ما هو مفيد وترك غير المفيد في رأيهم. وداخل الاتجاه الثاني ظهر تيار إسلامي انغلاقي، اعتبر الأخذ بالثقافة الغربية تغريباً استعمارياً يستهدف الإسلام ديناً ودنيا. ورفع راية الجهاد ضده، داعياً إلى نهضة اجتماعية ثقافية وفقا للأخلاق الإسلامية وتحكيم شرع  الله. وكانت جماعة الاخوان المسلمين، بزعامة الشيخ حسن البنا، التنظيم الصلب الذي تولّد من عباءته الفعل العنفي، تعبيراً عن "الغضب النرجسي" الجمعي الناجم عن إكراهات "الجرح النرجسي" التاريخي، ضد المستعمر الأجنبي من جهة وضد "الدولة الوطنية" من جهة أخرى.

وهو "الغضب النرجسي" الذي تأدلج في فكر سيد قطب، لا سيما كتابه "معالم في الطريق" الذي أسس لفقه التكفير والعنف الإرهابي، ليس ضد السلطة والدولة فحسب إنما ضد المجتمع  بحسبانه مجتمعاً جاهلياً.

نكبة فلسطين واجتياح لبنان

ثم هناك إسرائيل التي مثل وجودها المتفوق إهانة كاوية للوعي العربي الإسلامي الجمعي بوسم "نكبة فلسطين 1948" تلاها انتصار الجيش الإسرائيلي الكاسح في ستة أيام على ثلاثة جيوش عربية (مصر، سوريا، الأردن) في حرب يونيو/حزيران 1967. وبعد موت عبد الناصر بطريرك "النهوض القومي" وانتصار العرب على إسرائيل في حرب أكتوبر 1973، لجأ الرئيس المصري أنور السادات إلى ضرب تيار القوميين الناصريين واليساريين بالإسلاميين. فكان أن  قُتل يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول 1981، في بثّ تلفزيوني حيّ، بطلقات جهاديين وهو جالس منشى بكل أوسمة المجد العسكري على بذلة المارشال في منصة احتفائه الفرعوني بالانتصار على إسرائيل  في حرب  أكتوبر/تشرين الأول 1973.

وفي لبنان معقل الحداثة العربية هُزمت المقاومة القومية  ـ اليسارية عام 1982 إثر الغزو الإسرائيلي لبيروت. وهنا نهض الإسلام الجهادي بديلا مكبوتاً بطاقة عنف (فائض القيمة). تمثل في عمليات حزب الله اللبناني الشيعي "الاستشهادية" المدمرة لتواجد القوات الإسرائيلية والأمريكية والفرنسية.

حرب أفغانستان – بين "كفرة ملحدين ومسيحيين مؤمنين"

وفي تلك الأثناء، وبعيداً عن عالم العرب الجيو سياسي ـ ثقافي، كانت هناك أفغانستان واقعة تحت الاحتلال السوفيتي (1979 ـ 1989). وهنا ظهرت  وكالة  المخابرات الأمريكية، بالعمل المشترك مع المخابرات السعودية والباكستانية والمصرية والأردنية، بتسويق فكرة محاربة السوفييت في أفغانستان باعتبارهم كفرة ملحدين وإظهار الأمريكان حلفاء للمسلمين باعتبارهم مؤمنين مسيحيين من أهل الكتاب. وجُنِّد فقهاء الوهابية في دول الخليج والأزهر في مصر، لأجل الدفع بآلاف الشباب العرب للانخراط في حرب أفغانستان ضد السوفييت بوصفها حرباً مقدسة دفاعاً عن الإسلام وليس عن أمريكا.

وإذ انهزم السوفييت وانسحبوا أذلاء من أفغانستان، عاد المجاهدون العرب إلى بلدانهم بصفتهم أفغاناً عرباً. وجدوا أنفسهم، في بلدانهم، عاطلين بلا جهاد ولا عمل ولا سكن ولا زواج. فكان أن هاج  فرانكشتاين (الأفغان العرب) العائدون إلى بلدانهم. فحطموا المختبر الذي ولّدهم، موجهين نزعتهم العنفية "الجهادية" تكفيراً لأنظمتهم وإباحة محاربتها. ولم يكتفوا بذلك. فقد شاركوا مع طالبان التي اخترعتها المخابرات الباكستانية في عهد بنازير بوتو في الاستيلاء على معظم أفغانستان بعد القضاء على حكم المجاهدين السابقين ضد السوفييت. وهنا وجد الأفغان العرب لهم مدينتهم الفاضلة. ولم يمضِ طويل وقت حتى ضرب فرانكشتاين "الجهادي" ضربته الوحشية الرهيبة ضد كبير مخترعيه صباح 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وإذا كان الأمريكيون في حربهم على أفغانستان قد واجهوا مقاتلين جهاديين بطبيعة تكوينهم في الدولة الطالبانية الدينية، فإن غزوهم للعراق قد خلّق حالة توحش دموي ولّدتْ داعش. وكان السنة البيئة الخصبة المرضِعة، بعدما قام بريمر باجتثاث وجودهم من الجيش وقوى الأمن وتكنوقراط الدولة. وقد كانوا بمعظمهم بعثيين علمانيين يشربون العرق العراقي اللاذع. لكنهم مثلما تلبس صدام حسين العلماني البعثي بالدين إلى حد كتابة "الله أكبر" مرتين على العلم، فعل ضباط وجنود السنة المجتثين بالانتماء لـ"القاعدة" ثم وريثتها "داعش".

بين الأرض والسماء – لا أسباب مسطرية معيارية للتطرف

على هذه الخلفية التاريخية لا يجدي البحث عن أسباب وعوامل مسطرية معيارية لتفسير دوافع الشباب المسلمين إلى التطرف الإرهابي. إنهم يأتون لأسباب ودوافع متباينة ومتقاطعة: ذاتية وموضوعية. يحق لك الحديث في تفسيرها عن الفقر والجهل والبطالة والفراغ والقلق الوجودي. يأتون من استبداد الأنظمة الوطنية أو الاحتلال الأجنبي. يأتون شباباً من تجارب الإجرام والسجون وتعاطي المخدرات. كأنهم يستبدلون إدماناً  بإدمان. يأتون مسلمين ولادةً وكذا معتنقي للإسلام على عجل، منجذبين إلى المغامرة. وفي كل الحالات هم طلاب موت، أكانوا مقاتلين أو انتحاريين "استشهاديين"، من طريق قتل الآخرين المكفَّرين باسم الدين سبيلا مقدساً للتمتع بجنة الآخرة، حيث "حور العين" هي الغاية المنشودة بشدة في كل رسائل "الاستشهاديين" التي تركوها وراءهم وكأنها منسوخة عن أصل واحد. وهي الرغبة الأكثر شيوعاً في أهازيجهم التسبيحية.

وقد أشارت بعض أدبياتهم المتفيقهة إلى ضرورة تقوية "الاستشهادي" لطاقته الجنسية. فتنصحه بتناول أغذية وأعشاب معينة قبل تنفيذ مهمته وصعوده لينال الحظوة عند سبعين حورية. ولكل حورية سبعون وصيفة. ولا يعني ذلك أن الكبت الجنسي هو الدافع الرئيس أو الأساس أو الأهم. إنه صاعق نفسي لتحرير الحياة بالموت. ليس انتحاراً وإن كان ينطلق من كراهية الذات. إنه فعل تعويضي عن حياة في الأرض لا يستسيغها بحياة في السماء يشتهيها.

إن الأديان في مجملها تبجل الموت كحقيقة وجودية لا لبس فيها محمولة على مخيال الحياة الأخرى. لكنها في جوهرها تكرم الحياة وتدعو إلى السلام. إن قيمة الحياة مكرمة في القرآن. يرد لفظها أكثر من لفظ الموت كعبرة للاهتداء بالعمل الصالح في الحياة. وهو مرتبط بالبعث. الحياة قيمة مقدسة والموت نهاية أجل وليس النهاية. والشاهد أن الثقافة الإسلامية سواء في أصولها الروحية العقائدية أو آدابها الصوفية تبجل الحياة في الوقت الذي تروض فيه الموت كقضاء وقدر.

وفي صلب فلسفة أصول الفقه نجد أن الحفاظ على ضرورة الحياة في (المرتبة) الأولى على قائمة الضروريات الكلية الخمس: الحياة، والعقل، والدين، والعرض، والمال. وهي الضرورات التي تشكل المصدر الفقهي الفلسفي لقواعد أصول الفقه الإسلامي العقلاني.

الشرعية الديمقراطية السوية هي القادرة على مواجهة الإرهاب

وفي ظني، من منظور الضرورة  التاريخية حتى لا أقول الحتمية، أن التطرف الديني الدموي، المتصاعدة منذ ثمانينيات القرن الفائت، داخل العالم الإسلامي ونحو العالم خارجه، لم يكن منه بد، كونه انفجاراً بركانياً (سوسيوثقافي) ظل مكبوتاً لقرون بعنعنات العقل الاتباعي. ولا أدري كم لا يزال يلزم من الوقت حتى تنقرض حقبته. من المؤكد ألاّ سلام مع إرهابييه الصوابيين الصمائين كالصخر. فلا حوار ولا مواعظ تجدي معهم.

والحرب عليهم التي تقودها أنظمة استبدادية كالسعودية وسوريا والعراق الطائفي ومصر السيسي وجزائر الجنرالات الفاسدين ومغرب دولة المخزن وغيرها، وإن كانت حرباً مشروعة وضرورية، لن تكون كافية. فلا بد من الشرعية الديمقراطية السوية التي تُشرِك الشعب في المواجهة المصيرية خدمة لمستقبله وليس لحكامه. وذلك ما ينبغي أن نراقبه في التجربة التونسية. قرنفلة الربيع العربي. حيث تتمتن (اجتماعياً) ثقافة الإسلام العقلاني/ العلماني.



المقال الأصلي: الرابط