ثروة داعش الجديدة لن يكون مصدرها بيع الآثار أو تهريب النفط أو الإتاوات؛ بل سيكون البديل عملة افتراضية غامضة لا توجد في الواقع.

فقد أصبحت عملة "بيتكوين" وغيرها من العملات المُشفَّرة -أي الأموال الافتراضية- تحظى بجاذبية كمصدرٍ لتمويل الجماعات الإرهابية مثل تنظيم داعش، حسب تقرير لمجلة نيوزويكالأميركية.

تلفت نيوزويك، في تقريرها، إلى أنه في يناير/كانون الثاني 2017، موَّل مسلحون إسلاميون في إندونيسيا أنشطةً إرهابية باستخدام أموالٍ تلقوها عبر عملة "بيتكوين"، التي تعد حالياً أكثر العملات المُشفّرة رواجاً.

ولم تكن هذه مجرد حالة عارضة؛ إذ أطلق مجلس شورى المجاهدين -النشط في قطاع غزة والذي صنَّفته الولايات المتحدة كمنظمةٍ إرهابية أجنبية منذ عام 2014- حملة بيتكوين خلال العام الماضي (2016)، داعياً داعميه للتبرع بالمال لشراء الأسلحة.

وبدأ الإرهابيون يستكشفون سبل استخدام العملات المُشفَّرة؛ ومن ثم ينبغي لسياسات مكافحة الإرهاب التعامل مع هذا التحدي.

والبيتكوين، هي عملة إلكترونية يتم تداولها بشكل كامل عبر الإنترنت، منذ بداية يناير/كانون الثاني 2009، من دون وجود مادي لها، ويمكن استخدامها للشراء عبر الإنترنت أو تحويلها للعملات العادية وصرف مقابلها بالدولار مثلاً.

ولا تتمتع هذه العملة بالاستقرار مقارنةً بالعملات الأخرى، خاصة أنه لا يتم إصدارها من قِبل أي بنك مركزي، ولا تخضع لرقابة أو إشراف من أي جهة، وقد تم تأسيسها من قِبل مصممها الذي لا تُعرف هويته بشكل محدد.

وبينما تعترف بها بعض الحكومات مثل ألمانيا، التي تفرض ضريبة عليها، تعتبرها بلدان أخرى محظورة، ويتم استخدامها في عمليات مشبوهة.

وتعد "بيتكوين" أغلى عملة في العالم، حسب وصف موقع جريدة "الغد" الأردنية؛ إذ يبلغ يبلغ سعرها نحو 4549 دولاراً، وذلك في 30 سبتمبر/أيلول 2017، وإن كان سعرها يتغير بسرعة كبيرة.

لماذا يسعى لها الإرهابيون؟

زادت شعبية العملات المُشفَّرة بسبب قدرتها على حجب هوية المُرسِل والمُستقبِل للأموال. وبمعنى آخر، تُعد مهمة تعقّب هوية الشخص الذي أرسل المال والشخص الذي استقبله والغرض الذي سيُستخدَم هذا المال من أجله- أمراً صعباً للغاية.

ومن الأمور المثيرة للسخرية، حسب "نيوزويك"، أن هناك دفتر حسابات معلناً تماماً للجميع، والمُسمى "بلوك تشان -Blockchain"، والذي يُسجِّل كل تعاملات عملة البيتكوين، لكنه يُحافظ على سرية هوية مستخدميه.

ويعتبر الكود الإلكتروني المشفر هو صك ملكية البيتكوين، ولا يستطيع أحد الحجز عليها؛ لأنها لا تخضع لسيطرة أحد ولا يمكن تتبعها؛ فهي تتميز بالسرية والخصوصية والعالمية من دون تدخُّل الحكومات والبنوك، وفقاً لما ورد بتقرير لموقع "الغد" الأردني.

وتضاعَف معدل استخدام عملة بيتكوين، بشكلٍ خاصٍ، على مدار السنوات الثماني الماضية، ليرتفع من متوسط 100 معاملة مالية يومياً في عام 2009 إلى 282 ألف معاملة يومية في 2017 حتى الآن.

الحوالات

وقبل اختراع العملات المُشفَّرة، كانت هناك طريقةٌ أخرى، تُستخدَم لنقل الأموال دون الكشف عن هوية الأطراف المُشترِكة في التعاملات المالية والتي ما زالت نشطة إلى يومنا هذا: وهي شبكة الحوالة.

وخلال العقدين الماضيين، كانت التبرعات المالية الأجنبية تُرسَل إلى المنظمات الإرهابية عن طريق شبكات الحوالة، والتي توفر ميزة إخفاء هوية مُرسِل ومُستقبِل التحويلات المالية والتبرعات.

ويُمرِّر الأفراد والجماعات، الذين يريدون التبرع لمنظمةٍ إرهابية، المال عبر وسيط محلي في شبكة الحوالة ببلدهم، والذي يتقاضى أتعاباً مقابل خدمة السمسرة. ويعمل وسيطٌ آخر في بلد المقصد على إيصال المال إلى المُتلقي المُراد.

وفضلاً عن استخدامها في نقل التبرعات، تسمح شبكات الحوالة للتنظيمات الإرهابية بنقل تمويلاتهم الخاصة أو مواردهم المالية من موقعٍ لآخر.

ويُمكن استخدام العملات المُشفَّرة والحوالات في أغراضٍ مشروعة، لكن طبيعتهما التي تتسم باللامركزية وإخفاء هوية المشتركين في عمليات نقل الأموال تجعلهما أكثر جاذبيةً لتمويل أنشطةٍ غير مشروعة.

وتُعد شبكات الحوالة القائمة منذ وقتٍ طويل طرقاً موثوق بها لنقل الأموال، لكن نظام بيتكوين، الأكثر ملاءمة والذي يتسم بإجراء التعاملات المالية بوتيرة شبه لحظية ونقل الأموال بشكلٍ مباشر، يشكل مصدر جذب أكبر للأشخاص المتورطين في أعمالٍ شائنة.

وقد تُشجِّع التحسينات الأخيرة، الرامية إلى تعزيز إخفاء هوية مستخدمي عملة بيتكوين، الأنشطة غير المشروعة. وتسمح بعض محافظ بيتكوين الأصلية بإخفاء هوية المستخدمين بشكلٍ جزئي، لكن لا يزال تعقُّب حركة التعاملات المالية بها أمراً ممكناً.

المحافظ المظلمة

وخلال السنوات القليلة الماضية، ركَّزَت شركات، مثل سموراي، وبيتكوين فوغ، ودارك ووليت، جهودها لإنشاء محفظة بيتكوين المالية، التي توفِّر إمكانية إخفاء هوية المستخدم بشكلٍ كامل وجعل معاملاته المالية الافتراضية يتعذَّر تعقُّبها.

وقد تصبح هذه "المحافظ المُظلمة" مصدراً كبيراً لتمويل الإرهاب، ما يشكل عقبةً حقيقية أمام جهود الحكومة لوقف تدفق تمويلات الإرهاب.

وتتحوَّل بيتكوين بمرور الوقت إلى عملةٍ رئيسية لنقل الأموال؛ إذ أصبحت شركات مثل مايكروسوفت، وإكسبيديا، وصب واي، تقبل حالياً بعملة بيتكوين كوسيلةٍ لدفع الأموال.

وفي 2015، نشر تنظيم داعش عنوانه الإلكتروني على الشبكة المظلمة (الدارك ويب)؛ كي يتمكن الأفراد من إرسال المال له باستخدام عملة بيتكوين. وفي يونيو/حزيران 2015، أُلقِيَ القبض على مراهق من ولاية فرجينيا الأميركية بعد أن نشر تغريدةً عن كيفية التبرع لتنظيم داعش باستخدام عملة بيتكوين.

ويجادل البعض بأن تأثير تبرعات عملة بيتكوين على إجمالي إيرادات الإرهابيين سيظل محدوداً رغم التطوُّر التكنولوجي؛ لأن غالبية هذه الجماعات تموِّل عملياتها بشكلٍ رئيسي عن طريق مزيجٍ من المؤسسات الخيرية، وأساليب الابتزاز، وفرض ضرائب على المناطق التي تُسيطر عليها، والدول التي ترعاها.

ولكن مع فقدان تنظيمات، مثل داعش، سيطرتها على مناطق في العراق وسوريا، ستجد نفسها مجبرةً على البحث عن بدائل والتركيز على توليد المزيد من الاستثمارات الأجنبية من قِبل الأفراد أو الجمعيات الخيرية، وستكون العملات المُشفَّرة وسيلةً مناسبة لتسهيل نقل هذه الأموال.

كيف نواجه هذا الخطر؟

لا تزال إعاقة تمويل الإرهاب على رأس أولويات الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب.

وترى "نيوزويك" أنه من أجل إحباط محاولات الإرهابيين للحصول على تبرعات باستخدام بيتكوين وغيرها من العملات المُشفَّرة، ينبغي لصُنَّاع القرار الأميركيين التنسيق مع الشركات المسؤولة عن إدارة محافظ بيتكوين المالية، بالإضافة إلى مديري منصة "بلوك تشان" لتعقُّب عمليات الشراء، وعمليات مبادلة البيتكوين بعملاتٍ أخرى، ونقل تمويلات ضخمة إلى حسابات بعملة بيتكوين.

وسيكون ممثلو فرقة العمل المعنيّة بالإجراءات المالية -وهي هيئة حكومية أميركية تُكافح عمليات غسل الأموال ومكافحة الإرهاب- مستعدين لأداء هذه المهمة.

وقد يكون تطوير قدرة السلطات على تحديد عناوين بيتكوين الافتراضية المثيرة للشك فعلاً حكيماً؛ حتى يتمكن المسؤولون من العثور على الأفراد ومقاضاتهم إذا كانوا متورطين في أنشطة تمويل الإرهاب وغسل الأموال.

وقد نشهد تدشين عهدٍ جديد لتمويل الإرهاب في ظل إحكام القدرة على إخفاء هوية المشاركين في المعاملات المالية بالعملات المُشفَّرة وتزايد اهتمام وسائل الإعلام الرئيسية بهذا المجال.

واختتمت "نيوزويك" تقريرها بالقول: "إذا ما أرادت الولايات المتحدة إحباط تمويل الإرهاب على المدى الطويل، ينبغي لها اتخاذ إجراءات مُشدَّدة لفهم السلبيات المحتملة لاستخدام العملات المُشفَّرة وصياغة تشريعات لمكافحة استخدامها من قِبل الأشخاص المتورطين في أعمالٍ غير مشروعة.



المقال الأصلي: الرابط