يعيش العالم اليوم موجة من الحماس الديني لا مثيل لها، فبعد تراجع التيارات الفكرية اليسارية، حصل "فراغ"  فكري وإديولوجي كبيرين، أدى إلى الرجوع إلى الدين، بما يعني ذلك، البحث عن الملجأ والحضن الذي يجد فيه الانسان ضالته.

 وقد حصل هذا  التحول الكبير  بالتزامن مع ما شهده العالم من تحولات سواء في شكلها السلس والهادئ والمتوافق بشأنه، أو في شكلها العنيف والقاسي والمفاجئ مثل ما وقع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومن بين النتائج الكبرى لهذا التحول، تفكك الروابط الاجتماعية وصعوبة بناء أشكال جديدة من هذه الروابط. ورغم  البروز التاريخي لحركات الاخوان المسلمين، وما قامت به من "مجهودات" اجتماعية ونفسية ومؤسساتية في ترميم الذات، إلا أن تجربتها طيلة السنوات الأخيرة، أبانت  عن فشل كبير  خصوصا،  في عدم قدرتها على  بلورة نموذج مجتمعي مغري للشباب وللمجتمع بصفة عامة، يكون البديل عن صدمة الحداثة وما بعد الحداثة. ولهذا نفهم جيدا كيف تعالى اليوم الخطاب حول الهوية بشكل كبير في جل هذه المجتمعات.

و لا يمكن فهم جزء مما يتفاعل في الساحة الدينية اليوم، إلا بالرجوع إلى ما وقع في تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية و ثقافية  في كل المجتمعات. والتي عرفت مسارات مختلفة من التحديث والحداثة وما بعد الحداثة، وبالتالي، فقد كان لذلك انعكاسات على بناء هوية الشباب والمراهقين، لأنه في كل التحولات المجتمعية، تتصدع المرجعيات، ويبدأ الانسان الفرد أو المجتمع،  بطرح السؤال –بشكل واع أو غير واع- ما هي المرجعيات الأصلح لي؟ وأين أجدها؟ وكيف أجدها؟ وهل صالحة لي؟ إلخ من الاسئلة الوجودية المقلقة. ولهذا فنحن نجازف بأن نطلق على عصرنا الحالي: عصر القلق، أو عصر اللايقين؟ من خلال ذلك، فقد كان طبيعيا أن يجد الشباب نفسه في حرقة هذه الاسئلة. ولهذا يتم التعبير عن ذلك من خلال مجموعة من المظاهر والعلامات والتعبيرات، سواء في الموسيقى أو الرياضة أو اللباس أو حتى في الحالات الأكثر عنفا على الذات، كالانتحار مثلا. اعتبارا لكل ما سبق، فقد وجد التيار السلفي الراديكالي،  والمسلح بأجوبة نهائية وذات ويقينية عالية، مجالا خصبا لكي يقدمها للعالم وللشباب بشكل خاص. حيث  يتم تقديم خطاب  حول الهوية واضح للأتباع: "نحن الحق" "الآخرون في ضلال مبين"..

 ولهذا لا نستغرب إذا ما وجدنا أن فئة الشباب المهمش ، وبلغتنا نحن المغاربة "محكور" يتوفر على   الأدوات التي يهاجمون بها التقاليد المحلية، مزايدين في ذلك على الجيل الأكبر سنا، الذي كان جيلا متهما بأنه فاسد وأنه متهاون». ولعل أبرز مظاهر هذه الاجابات، والتي تقدم بشكل جاهز، و يثير الشفقة أحيانا، حول اللباس الذي ينبغي أن يلبسه "المسلم" الصحيح، وكيف يجب أن يترك اللحية تكبر إلى الحد التشبه بالنبي المفترى عليه. و التركيز على النقاب بالنسبة للفتيات، خصوصا في البلاد التي عرفت تنوعا وتسامحا وتعددا ثقافيا.  و لهذا فقد كان شعار هذا التيار: « قلي كيف تلبس أقول لك من أنت؟»

إن  سؤال بناء الشخصية من أعقد الاسئلة التي تواجه المجتمعات العالمية، وبشكل خاص، مجتمعات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. و لهذا في كل مرة يقع تحول كبير ما: يطرح السؤال من جديد حول مميزات شخصية عن أخرى. فما ذا نقصد بهذا الاسم؟

الشخصية هي ما يميز إنسانا عن آخر، وما يضفي عليه طابعه الخاص، كأن نقول عن توأمين أنهما يشتركان في أشياء طبيعية كثيرة، لكنهما يختلفان في شخصيتهما. وذلك تبعا للطريقة التي اتبعها الأبوين في تربية كل منهما.

وكما يعلم الجميع، أن مرحلة المراهقة تعد من المراحل الحرجة التي يطرح فيها المراهق عن نفسه مجموعة من الاسئلة: من أنا؟ ما سر وجودي في هذا العالم؟ من خلقني؟ ولماذا خلقت؟ وما معنى الدين؟ هل الدين ضروري في حياتي؟ ما الفرق بين المسلم وغيره؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تؤرق بال المراهق والشاب في هذه المرحلة الدقيقة من عمره.  

وبعد ما كانت الاسرة هي التي تقوم  بعملية التربية والتنشئة، بالإضافة إلى المدرسة، فإن التحولات التي طالت هذين المؤسستين، أثرت على وظائفهما وأدوارهما في ضمان تربية منسجمة وسوية للابناء. ولاسباب معقدة –لا يمكن التفصيل فيها في هذا المقال-  برزت عدة قنوات أخرى، ومنها الاعلام وخصوصا الانترنيت، الذي أصبح يشكل العنصر الابرز في تربية الابناء والآباء على حد سواء. إلا أن الملاحظ هو التأثير الكبير الذي يمارسه الفضاء الالكتروني على المراهقين والشباب، بالنظر لضعف التواصل بينهم وبين آبائهم من جهة، وبينهم وبين مدرسيهم من جهة ثانية، وبشكل أكبر منه، بينهم وبين أصدقائهم. فكيف يؤثر الانترنيت/ الوسائط الاجتماعية في تغذية السلوك العنيف لدى الشباب والمراهقين؟ وكيف تسللت الشبكات الارهابية لهذا الفضاء للتأثير في عقول ووجدان المراهقين والشباب؟

يعتبر الانترنيت اليوم من بين الآليات التي لها  دور في تغيير قناعات الشباب، حيث في العالم الافتراضي يتم التعبير بكل حرية وطلاقة ، حتى أن احد الباحثين سمى ذلك بنوع من التفريغ عن الكبت الجنسي والسياسي والاجتماعي والثقافي والديني، الذي عانى منه الشباب في سنوات خلت .فعلى سبيل المثال يمكن أن نذكر أن هذه الوسيلة ، جعلت الشباب يتبنى خطابا دينيا عنيفا لأنه تأطر من طرف أحد الوسطاء الافتراضيين بمجموعة من الافكار والعقائد، كيفما كانت دون القدرة على التمييز بن العقلاني من غير العقلاني منها.

من جهة اخرى يشكل الانترنيت وسيلة لبث الغث والسمين ، خصوصا في بعض المواقع والشبكات الاجتماعية والتي تحفل بالعدد الهائل من المعطيات والمقالات والتعليقات والتصورات .... والتي قد يستهلكها الشباب خصوصا ذوو الثقافة الضحلة مما يشكل قناعاتهم ومسلكياتهم وقيمهم، ولكي تأخذ أمثلة من الواقع ، يمكن أن نتحدث عن التصورات الدينية التي قد يقتنع بها بعض المتصفحين للمواقع الالكترونية ، والتي لا يعرف عمقها وخلفياتها وحمولاتها. ويمكن أن نعطي كمثال على ذلك: مسألة التمييز بين أفراد المجتمع على أساس أن هناك فئة "صالحة" وأخرى "منحرفة" أو أن هناك مجتمع "المسلمين " وآخر "للجاهلين". فمثلا المرأة التي لا تلبس الحجاب فهي "فاسقة" و"خارجة عن دين الله" أو أن الشخص الذي يشرب الخمر، فهو "فاسق" أو "جاهلي". أو حتى الشخص الذي يقيم علاقة جنسية مع فتاة خارج إطار الزواج، فقد ينعت بأنه أو بأنها "فاسقة" أو فاسق".  ومن خلال ذلك يبدأ الشاب والمراهق في تقسيم العالم بين عالمين: الكفار والمسلمين.

وانطلاقا من هذه الامثلة اليومية والتي يعايشها الشاب والمراهق، والتي كانت بالامس القريب جد عادية، تصبح بعد التصفح في الانترنيت، وبعد الارتباط بوسيط متشدد، تصبح كل تلك الممارسات خارجة عن "شرع الله". وبالتالي ، يبدأ باستنكارها وبعدها بالهجوم المعنوي عليها، وفي مرحلة متقدمة، يهاجمها بشكل مادي –خصوصا إذا ما شكل مجموعة من أقرانه ومحيطه الضيق- . وكما يقال: "فإن العنف يبدأ في الاذهان قبل أن يصل إلى الابدان". ولعل شبكات الارهاب العالمي، تفطنت لهذه الآلية التيكنولوجية، وعملت على استثمارها بشكل كبير ووظفتها في التغرير وإغواء العديد من شباب منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.



عن هيئة تحرير الموقع