يدعي الكثير من المسلمين  اليوم، وبخاصة فئاته الشابة، أن العالم اليوم يشهد حالة من "الافلاس الاخلاقي" لا مثيل لها. وأن سبب ذلك في اعتقادهم هو "البعد عن الله"، وعدم "اتباع منهج الرسول"  في تطبيق الدين الاسلامي. ولعل أصل هذه الفكرة، هو ما تتداوله الكثير من التيارات الإسلاموية، ومعها الكثير من المنابر الدينية، سواء الواقعية أو الافتراضية أو  الخاصة بالإعلام الكلاسيكي. وقد استقر في أذهان العديد من المسلمين، أولوية الاصلاح أو ما يسمى في أدبيات الاسلام السياسي، ب"تغيير المنكر". لكن السؤال الذي يطرح: هل فعلا نعيش حالة إفلاس أخلاقي؟ وهل نحتاج إلى تغيير المنكر؟ وما هي شروطه؟ وما هي مقوماته؟

بداية لا بد من استجلاء أمر في غاية الخطورة، وهو أن القول بنوع من الجزم، بوجود العالم في حالة إفلاس "أخلاقي"، غير دقيقة وغير موفقة، لوصف حالة العالم اليوم، لأننا لا نتوفر على معطيات علمية كافية لاستخلص مثل هذه الخلاصة الخطيرة. بل إن الأمر المؤكد، أن النظر بنوع من النسبية لمجريات الأمور في عالم اليوم، يلحظ كيف تبلورت مجموعة من القيم والقوانين والاعراف والمسلكيات التي ترسخ قيما أخلاقية في مستوى عال، بدليل الميثاق العالمي لحقوق الانسان، و ما تلاه من موجات للحقوق الانسانية، الاجتماعية والسياسية وأخيرا البيئية. وقد عزز هذا الوعي ميلاد مجموعة من القوانين والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والوطنية، والتي تكرس حقوق الانسان بكافة جوانبها ومشمولاتها. علاوة على ذلك، فالعالم اليوم يتجه لمرحلة ثانية من الحقوق الانصافية وليس المساواتية، والتي تعني، إنصاف العديد من الفئات التي كانت من قبل لا تستطيع الوصول إلى  مجموعة من الحقوق، كحالة ذووي الاحتياجات الخاصة، والنساء والأطفال والمهاجرين وغيرهم.

إذن من خلال هذا التحليل، يتبين أن العالم اليوم يشهد حالة من الوعي الحقوقي والانساني والكوني، إلا أنه بالرغم من كل ذلك، فإن مجموعة من التيارات الاسلاموية، لا تنظر إلا إلى نصف الكأس الفارغ، بدليل أنها عندما تتحدث عن "الافلاس الاخلاقي" لا تستحضر إلا بعض الجوانب التي تتعلق بالحريات الفردية، كالعلاقات الجنسية الرضائية، أو مسألة الاختيار الجنسي، أو التعاطي للكحول أو رفض مؤسسة الاسرة أو الايمان بالحرية الجنسية والعقدية وما إلى ذلك.

وانطلاقا من هذه النظرة، يتم تسويق فكرة أن العالم يتجه في اتجاه "الخروج عن طريق الصواب" والانحراف عن جادة الطريق. ولعل أخطر ما يتم توظيفه هو الإستناد لبعض النصوص القرآنية والحديثية لاستمالة اتجاهات الرأي عند العديد من المسلمين وبخاصة فئاته الشابة. من ذلك "ظهر الفساد في البر والبحر، بما كسبت أيدي الناس" وهو نص قرآني يتحدث عن الفساد لكن ليس بالمعنى الأخلاقوي الذي يضفيه البعض على تأويله للآية، لأننا نعتقد أنه يتحدث عن معضلة الفساد بمعناها الأوسع والاشمل. كالفساد المالي والإداري والسياسي والاقتصادي والبيئي وما إلى ذلك، بينما "الفساد" الاخلاقي قد لا يمثل إلا جزء ضئيلا من هذه المنظومة، لأنه يتعلق بالأفراد وليس بالجماعات، على عكس الأول، الذي يخرب المجتمعات والحضارات وما إلى ذلك.

ارتباطا بما سبق، فإن الذي يترتب عن هذا الوعي المغلوط لمفهوم الفساد الاخلاقي، هو القول بأن على المسلمين أن يغيروا المنكر وأن يقوموا بالإصلاح انسجاما –في اعتقادهم- أن ذلك من الدين بل من أولى أولوياته. وأن منطلق الاصلاح، هو تغيير المنكر. ولهذا تجد العديد من المسلمين في أوربا أو في المناطق الشرق-أوسطية وشمال إفريقيا، يحثون الشباب على تنفيذ "أوامر الإله" بتغيير حالة "الفساد" التي ستهدد الجميع. (واتقوا فتة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة). إن هذا التأويل الخطير لنص الآية، يعني أن المسلم مطالب –ليس على وجه الاستحباب- بتغيير المنكر، بل هو –على وجه الوجوب- هكذا يتم تمرير أخطر فكرة لتلقى في أذهان ووجدان الشباب، لتجعل منهم "وقود" التغيير، ومحركه الأول والأخير.

وبطبيعة الحال، فتغيير المنكر، يعني هنا أن يقوم الافراد المسلمون بحملات "دعوية" لنشر قيم الاسلام، وثني المخالفين عن "فسادهم"، وفي مرحلة ثانية، يتم استعمال العنف الرمزي أولا، وبعده العنف المادي، بالهجوم على المواطنين في البلاد الأوربية والأمريكية أو الاسيوية، أو بالهجوم على السائحين في البلدان الاسلامية، خصوصا في الملاهي والمنتجعات والكازينوهات وما إلى ذلك.

ويعتقد هؤلاء أن ذلك يتم تنفيذا لأوامر الاله وامتثالا لتعاليم الدين الاسلامي، الذي يدعو إلى تغيير المنكر (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض). إن استلهام مجموع هذه الأفكار هو الذي غذى ثقافة التكفير والعنف والارهاب، وأدى إلى كوارث في مجتمعاتنا المعاصرة. بل إنه دفع العالم إلى دوامة من العنف لم يشهد لها مثيل في التاريخ. فالعنف الديني أخطر أنواع العنف الذي يهدد الشعوب والحضارات و الثقافات.

بيد أن التساؤل الذي لا يطرحه المسلم الشاب على نفسه قبل أن يستجيب لدعوات تغيير المنكر وإصلاح أحوال العالم، هو كيف يمكن تغيير المنكر من طرف شخص لم يتحقق بعد بقيم المواطنة الحقة في بلده وموطنه سواء كان في بلاد المهجر (أوربا وأمريكا)، أو في بلاد المسلمين؟

إن الاجابة عن هذا السؤال، تعد ملحة، لأنها تفتحنا على نقاش أوسع وأشمل. إن تغيير المنكر لا يمكن أن يكون دونما فهم عميق لمعاني القرآن الكريم، ولنصوصه الحمالة أوجه، وأيضا لفهم عميق لمعنى المواطنة.

لنبدأ بالفكرة الأولى، وهي أن هناك نقاش طويل عريض بين العلماء الراسخون في العلم، والذين يقولون إن تأويل الآيات القرآنية أو الحديثية الخاصة بحقوق الغير، ترجع بالدرجة الأولى إلى مؤسسة الدولة، وإلى مجالسها العلمية المعترف بها، وليس للأشخاص كيفما كان شأنهم ومكانتهم. لأن المسألة تتعلق بحقوق الغير، أي أنها تعرض حق الغير للتهديد بل إلى الموت. وهو ما يناقض نصوصا أخرى في القرآن وفي السنة النبوية، فلا يعقل أن يكون إهدار دم الآخر بيد جماعة دينية أو مجموعة من الاشخاص، لأنها مخالفة لروح الدين، الذي يدعو إلى الحفاظ على الكليات الخمس، و منها بطبيعة الحال، حياة الأشخاص (حفظ البدن).

أما المسألة الثانية، وهي التي تتعلق بمعنى المواطنة سواء في بلاد المهجر أو بلاد الأصل، ذلك أن من بين معانيه، هو العيش المشترك، والذي يعني أن يستوعب المواطن أنه عندما يتواجد في وطن ما، فإنه ملزم بقوانين ذلك البلد، وليس بأي مرجعية أخرى. إذ لا يعقل أن يكون مواطن فرنسي من ديانة إسلامية، يستجيب لدعاوى القرآن والدين الاسلامي ولتأويلاته، وهو في نفس الوقت مواطن فرسني له من لحقوق والواجبات التي تتأطر بالنص القانوني والدستور وما إلى ذلك. ولتجلية مثال واضح: كيف يمكن أن نعنف شخصا يعاشر عشيقته في فرنسا أو بلجيكا أو بريطانيا أو إسبانيا، ينص ديني، وأن نحكم عليه بالزنا رغم أنه لا يعترف بهذه الشريعة؟ إذن سيكون من العبث ومن الحمق أن نحكم على المواطنين بنص ديني لا يؤمنون به؟ بالمقابل فإن الأشخاص المسلمين أينما تواجدوا فهم ملزمون بقوانين البلد، كيفما كان هذا البلد، لأن الذي يؤطرهم هو نصوص الدستور وقيم المواطنة وليس الدين أو الاديان كيفما كانت؟

إن مسألة تغيير المنكر والإصلاح، هي حق أريد به باطل، فما أكثر الشباب الذين غرر بهم بسبب سوء فهمهم للموضوع، وزج بهم في دوامة العنف والارهاب والجريمة. ولذلك فأولى الأوليات التي وجب الالتفات لها، هو ضرورة تمحيص النص القرآني أو النبوي من أي تأويل مغرض ووضع النصوص في سياقاتها السوسيوثقافية و السوسيوتاريخية لكي لا تختزل في قراءة تبسيطية ومختزلة ومحرفة.



عن هيئة تحرير الموقع