تتردد على ألسن الكثير من الشباب اليوم، مقولة أن الحياة ليست سوى محطة يتزود منها "المؤمن" لكي يظفر بنعيم "الجنة الخالد". وما يستتبع من هذه الفكرة، هو أن الشاب أو الشابة اللذان يعيشان في مجتمع الألفية الثالثة، يبدءان في رسم مجموعة من الأوهام التي تميز بين حياة «الباطل" وهي الحياة الدنيا وحياة "الصدق" و"البقاء" والخلود" والسرمدية" وهي الجنة الموعودة. ولعل أصل الفكرة إنما يتخلق في وعي الشباب انطلاقا من ما يقيمه المخيال المجتمعي من أنساق ثقافية ترسخ –بوعي أو بدونه- فكرة السخط على الحياة الدنيا، والتعلق لحياة "هنيئة" و"طيبة" وهي الجنة. وقد انضاف إلى هذا المخيال المجتمعي، ما أنتجه الفكر المتطرف من مقولات ومفاهيم ومبادئ تسير في نفس الاتجاه، وهو أن الحياة ليس مهمة ولا تحتاج من "العبد المسلم" ذرة مثقال من الضنك (التعب). وقد استثمر هذا الفكر، العديد من الأمثال الشعبية لتعضيد مقولاته من قبيل "الدينا كلها وسخ" وبالتالي فلماذا لا نطلقها ونرجع إلى الحق.

إن الشباب العربي والمسلم الذي يعيش في هذه الأجواء يجد نفسه بشكل غير واع مربوط لثقافة كره الحياة والاقبال على الآخرة. "فالدار الآخرة أحسن لو كانوا يعلمون" وهو استشهاد من النص الديني معزول عن السياق ومبتور ويفاضل بين شيئين لا مجال للتفاضل بينهما. إذ ان من المعلوم أن الحياة هي سر وجود الانسان، وأنه لولا الحياة لما كان شيء في هذه الدنيا. وأن الانسان مدعو لعمارة الأرض لأنه مستخلف حسب النص القرآني دائما. ولهذا لا معنى لكي نقسم العالم إلى دنيا مدنسة وأخرى مقدسة، وهي في مخيال ووجدان الشباب هي الجنة الموعودة. وينسى هذا الشاب انه إذا لم يقم بواجبه على الوجه الأكمل في هذه الدنيا/ الحياة، لن يتحقق له هذا الوعد الهلامي.

وهنا يتبادل السؤال التالي: لماذا ترسخ في وعي أو لاوعي الشباب اليوم، أن الدنيا/ الحياة هي الأوساخ والمنكرات والباطل والمدنس؟

بكل تأكيد أن المسألة معقدة ومتشابكة ويتداخل فيها التاريخي مع الثقافي ومع عملية التنشئة الاجتماعية، لكننا يمكن ان نقول إن طبيعة النظرة التي يصنعها المجتمع عن الحياة وعن هذه الدنيا و عن الجنة والآخرة ...،هي كلها تمثلات وتمثيلات بل  وحتى استيهامات (تخيلات) قد لا تكون حقيقية، بل هي وليدة البيئة الاجتماعية التي يتربى فيها الشاب والشابة في المجتمعات المسلمة. و عليه وجب أن نفهم طبيعة كلا المجالين: الحياة والآخرة هل هما متعارضان؟ هل هما مختلفان حد التناقض؟ أم هل هما متكاملان بحيث الواحدة تكمل الآخر؟

بالتأمل في طبيعة البناء الثقافي للشخصية المسلمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نجد أن الأبوين منذ نعومة الأظافر وهم يرسخون في وعي أبنائهم أن هناك حياة أخرى غير هذه الحياة، بل والأخطر أن هذه الحياة ليست سوى دار الباطل  (أي الضلال)، وأن الحياة الحقيقية هي في الجنة. وبالتالي ينشأ الطفل وهو مستقدر(يحط من قيمتها) للحياة ومقبل على الآخرة، بشكل غير مفهوم. ولذا لا تجده يتحمل مسؤولياته في العديد من القضايا المصيرية وحتى غير المصيرية، لأن يعتبر أن الدنيا قائمة على الباطل وأنها لا تستحق التعب والكد والمنافسة. وينضاف إلى هذه التنشئة الخطيرة، مؤسسة المدرسة والتي تعمل هي الأخرى، من خلال ما يحمله   المعلمون  والاساتذة من تمثلات تقترب مما نشئ عليه الطفل في أسرته.  فالطفل وهو يأتي للمدرسة كي تفتح عقله ووجدانه على حب الحياة يبدأ في تلقيه سيلا من المفاهيم والتصورات التي تجعله شيخا في سن الطفولة. ويمكن أن نضرب مثالا حيا على نوعية هذه التنشئة عندنا يتم التدريس والتعسف في تأويل بعض نصوص القرآن الكريم، خصوصا تلك السور التي تصف "الجنة و نعيمها"  و"تذم الدنيا وزينتها" .(إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر ...) . ماذا تكون النتيجة: هو إلصاق صور ذهنية في وعي الطفل عن عالمين متنافرين، أحدها  مدنس (وسخ) والآخر "مقدس" (طاهر).

ولعل الخطورة التي تستتبع هذه الفكرة، هي إقحام ذهن الطفل أو الشاب، بأن الطريق للوصول إلى الجنة، لا يتحقق إلا بالعمل "الصالح" وما العمل الصالح؟ إنه اتباع منهج الرسول؟ وكيف نتبع الرسول؟ بالالتزام بأوامره؟ وكيف نلتزم بآوامره؟ بقراءة سيرته وأحاديثه الشريفة؟

وهنا لا غبار على المنهج، لان هناك إجماع بين المسلمين على أن هذه هي الطريق التي من خلالها يمكن تطبيق "منهج الاسلام" في سلوكات الناس. لكن الإشكال و الذي يستحق كل تحليل ونقاش، هو كيفية ذلك؟ ومن يقوم بتأويل هذه النصوص والسيرة والأحاديث؟

ولعل في هذا الموضوع، أي التمييز بين الحياة الدنيا والآخرة، ما يجعلنا نتحدث عن إشكالية التأويل والفهم لهذه النصوص. فالغالب أن الكثير من "الدعاة" و"المشايخ"، أنهم يقومون بشحن عقول الشباب والمراهقين بخطابات تمجد الحياة الآخرة، وتبخس من الحياة الدنيوية. بدليل استعمالهم لمجموعة من التقابلات في خطابتهم ذات الطبيعة الحدية: الحياة الحقيقية هي الآخرة ( إن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون). والحياة الدنيا ليست سوى محطة قطار؟ (عش في الدنيا كأنك غريب). ومن خلال ذلك يتبن أن هذه التقابلات التي تجتزأ من سياقها وتقدم لهؤلاء الشباب، لا تخدمهم بالمطلق، بل ترسخ فيهم قابلية للفكر المنغلق والواحد والمطلق و الدوغمائي. ولهذا قد يتساءل السائل ما العمل للخروج من هذه الورطة؟

أعتقد أن أول درس يمكن أن نستخلصه  من هذا التحليل، هو إعادة ترتيب الأمور من جديد. ولعل أول ما يمكن البدء به، هو فهم تمثلنا للحياة الدنوية، وهي التي تستحق منا مل التوقف والشرح والتفسير.

فالحياة اسم يدل على الدال والمدلول، بمعنى أن اسم الحياة يطلق على كل كائن حي، وهو اسم لكل شيء جميل في الكون، فالشيء الحي هو الذي ينبض بالحياة وبالحيوية وبالنشاط والتجدد والاستمرارية. وقد كانت الحياة وستظل هي منتهى آمال البشرية، لأن بالحياة استحق كوننا اسم الكوكب الأزرق كناية على لون المياه التي تمدنا بشريان الحياة والتجدد والاستمرارية والانتاج وإعادة الانتاج. وفي تقديس الحياة وما يحيط بها تقديس للانسان ولطبيعته ولكينونته ولجوهره الخلاق. ولهذا حرمت الاديان كلها سواء السماوية منها او الارضية إزهاق الروح البشرية لانه اعتداء على البشرية كلها وليس على فرد بعينه. ولانه من خلال الحياة نبنى الحضارات والثقافات ومصيرنا المشترك.

ولهذا فإن تأمل تقدم وازدهار الحضارات التي تعلي من شأن الحياة، هو ما يجعلنا نوجه عناية شبابنا للنظر في مآلات الأمور ومقاصدها وليس إلى حرفية النصوص وجمود تأويلاتها. فالغرب استطاع أن يحقق العديد من الانجازات الحضارية والتقنية والعلمية والفكرية والمادية واللامادية منها، لانه فهم حقيقة الحياة، ولانه يعمل في الحياة لتحقيق رضا الاله وليس العكس، أن تعمل للآخرة وتنسى الحياة. فالغرب وخصوصا المجتمعات البروتستانتية، عملت على استنهاض همم مجتمعاتها بالتركيز على النجاح الدنيوي لانه يصب في اتجاه النجاح الكبير. وليس العكس. لذا فإن درس الدرس كما يقول الفلاسفة، هو أن تنتبه أيها الشاب أيتها الشابة إلى أن الحياة تعني العمل على تعشقها وعلى تجنيد كل طاقاته –الفكرية والجسدية و المهاراتية والتواصلية- في اتجاه تحقيق النجاح الدنيوي لانه هو أساس النجاح الأخروي، وليس العكس.



عن هيئة تحرير الموقع