English Français عربي
مقامات داعشية: خلف القناع الداعشي

 

 

عندما كانت (القاعدة) تنظيما إرهابيا يتصدر نشرات الأخبار بعد هجمات (الحادي عشر من سبتمبر 2001)، لم يكن من الصعب تحليل خلفياتها الاجتماعية والتنظير بشأن عملياتها المقبلة، فهي وإن استطاعت تنفيذ عمل إرهابي غير مسبوق، فإنها لم تختلف عن غيرها من التنظيمات الإرهابية السابقة إلا بما استطاعت تحقيقه من مستوى قياسي جديد للوحشية.

وبعدما وُلدت النسخة (العراقية) من التنظيم على يد الإرهابي الهالك أبو مصعب الزرقاوي، ثم انبثق عنها تنظيم (دولة العراق الإسلامية)، لم يكن ينقص التحليلات سوى إضافة العوامل التي تمليها البيئة العراقية الخاصة من التنوع الطائفي والعرقي وما عاشه العراقيون من ظروف الدكتاتورية والحصار والاحتلال الأجنبي؛ فأخذت (نشاطات) التنظيم الجديد مكانها في القائمة الروتينية اليومية لنشرات الأخبار في الفضائيات العربية والدولية، ولم يحتَج معدو هذه النشرات سوى إلى تغيير الزمان والمكان وعدد الضحايا في صباح كل يوم.

وعندما ظهر تنظيم (داعش) أخذ بعض المحللين الاستراتيجيين يعاملونه كما لو أنه امتداد للقاعدة، وهو أمر صحيح جزئيا، وأخذ بعضهم بالتعامل معه كما لو أنه امتداد لتنظيم الزرقاوي، وهو أمر لا يبتعد عن الصواب كثيرا، لكن الاقتصار على هذين الجانبين يدخل في باب (التبسيط المخل)، وإن كان يسهّل عمل محللي الأخبار ومعديها، فوراء الأكمة ما وراءها، ومن أراد معرفة حقيقة الحال يجد وراء هذه الأكمة مشهداً واسعاً ينفتح على المنطقة بأسرها، ولا يكاد يدع كبيرة ولا صغيرة إلا احتواها، ولعل هذا الواقع هو ما جعل محللي الأخبار ومعديها ينأون بأبصارهم وأقلامهم عما وراء الأكمة، ليقتصروا على ما اعتادوا عليه من بساطة أيام بن لادن والزرقاوي.

وإلى جانب أولئك يقف جيش آخر من المحللين المتخصصين بالتدقيق في كل شاردة وواردة من الأدبيات المؤسسة للفكر الداعشي، وهؤلاء ينطلقون من افتراض خاطئ مفاده أن هذا التنظيم يستند في عمله إلى مجموعة محددة من أحكام الدين المقتصرة على مدرسة بعينها من مدارس فهم الإسلام، وهم في ذلك يقترفون خطيئتين منهجيتين: الافتراض بأن المنطلق الرئيسي لهذا التنظيم عقائدي قبل أي شيء آخر، والافتراض بأن المدرسة الفقهية المعنية لا تشترك بالكثير من مبادئها مع باقي المدارس الفقهية. ولا ريب في أن من يتابع عمل داعش على أرض الواقع يجد أنه لا يمانع خرق أي مبدأ من مبادئ الشريعة إذا كان يقف في وجه تحقيق ما يرمي إليه.

إن ظهور داعش بهذا الشكل الصارخ في صميم الأحداث اليومية يفرض على كل لبيب أريب أن يعمل فكره وقلمه في أعماق هذا التنظيم السرطاني، وأن لا يشيح بعينه عن عيب أو خطأ مخافة الإساءة إلى تقاليد دينية أو مجتمعية، فالحريق الذي ينتشر في أوصال المنطقة لا ينتظر اتفاق السنة والشيعة على مسألة الخلافة، ولا يتوقف مؤقتا ريثما يحل العرب مشكلاتهم مع الأعراق الأخرى، ولا يؤجل انتشاره كي تتوصل المجتمعات العربية إلى حل لقضايا حقوق المرأة والبطالة وتغول القطاع العام وغيرها من المشكلات المزمنة التي ألقت بالمنطقة في هاوية التخلف.

وعلى هذا الأساس، سيحتوي هذا القسم من موقع (قل لا لتنظيم داعش) على مقالات سردية ترسم صورة تخيلية للوجوه التي تلبس القناع الداعشي لتستتر به من واقعها الأصلي الذي ألقى بها في براثن هذا التنظيم، بإرادتها أو اضطرارا منها، وذلك كي لا تقتصر الجهود المكافحة لداعش على إنهاء وجوده القتالي وحسب، فننتقل إلى الجهود الأكثر صعوبة وتعقيدا، والأكثر نجاعة، لمعالجة التربة التي نما فيها التنظيم وترعرع ككتلة متنوعة من الغايات والتطلعات التي تتخفى خلف (القناع الداعشي) ذي القشرة الدينية الظاهرية.